المقالات الغيورة التي حملتها الصحف اليومية أمس دفاعا عن الموقف الأردني الذي أساءت له الرواية الصهيونية في خبر لقاء الملك مع اولمرت وباراك. هذه المقالات تُصنّف في إطار الدفاع عن النفس والتوضيح والرد، وهو ثمن لدرس ننساه دائما في سلوكنا السياسي والإعلامي، بخاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع الكيان الصهيوني.
هذا الدرس يقول أن الإسرائيليين لا أسرار لديهم، بل سوء نوايا وعمل دائم لتجيير كل ما حولهم لخدمتهم. وأحيانا يكون التجاذب الداخلي هناك سببا لتسريبات، وبخاصة اننا الآن في مرحلة انتخابات مبكرة في اسرائيل، اي أنه لا وجود لأسرار ولا وجود لالتزام بكتمان، وهي حقيقة يفترض بكل المسؤولين إدراكها وليس اكتشافها مع كل (مقلب) نتعرض له.
السؤال لماذا تركنا خيار التحكم بنشر الخبر وتسريبه الذي لم يتم بشكل ملتوٍ، بل بثته الاذاعة الاسرائيلية الرسمية وصحيفة يومية رئيسية هناك. وعندما بثته الجزيرة وتناقلته وسائل الاعلام أصابنا الحرج وبحثنا عن وسائل الرد واتهام اسرائيل تهمة تستحقها وهي أن هناك تحريفا، فالخبر اظهر الاردن يرفض العدوان الواسع على غزة، لكن هذا يعني ضمنا أنه لا يمانع بعمليات محدودة، وأن الاردن يرتعد خوفا على استقراره من نتائج اي حالة عدم استقرار، وليس رفضا لفكرة العدوان!
لنعترف أن الاسرائيليين نجحوا بالإساءة لنا، لأنهم اداروا غرفة التحكم بالخبر وقدموه، كما يخدمهم، وليس كما هي الحقيقة.
وما يعرفه اهل الإعلام، ومنهم مسؤولو ملفات الإعلام في الدولة، أن الخبر الاول هو الاقوى تأثيرا والاوسع صدى. اما النفي والتوضيح فهو الخبر الأقل تأثيرا، بخاصة أن الرأي العام يميل للتشكيك والريبة. ودائما هناك القاعدة الإعلامية أن (الخبر السيئ هو الخبر الجيد) أي أنّ الخبر الذي يحمل معلومات سيئة هو الأكثر انتشارا وتلقيا من الرأي العام. لهذا عمل الاسرائيليون بخبث واحتراف على بث خبر سيئ لقي انتشارا ومارس تحريضا ضد الأردن وأظهرنا وكأننا نتحاور معهم على حجم العدوان على غزة.
يفترض بكل من يعرف الأردن الا يُصدّق الافتراء الاسرائيلي، لكن يفترض فينا ان نقوم بعملنا لحماية سياستنا ومواقفنا لا ان نتركها لأخلاق طرف خبيث ماكر. ولهذا بدلا من ان نعيش يوما من البحث عن وسائل الرد، لماذا لم تخرج رواية اردنية وخبر رسمي او شبه رسمي يتحدث عن اللقاء وعما أراده الأردن من اللقاء بدل أن نكون ضحايا لأداء إعلامي محترف حتى وإن كان غير أخلاقي وكاذب.
دائما نعود إلى الأداء الإعلامي الرسمي، وإحدى مشكلاته ليس في وسائل الإعلام بل في المسؤول صاحب الولاية على الخبر والمعلومة. فحتى لو توافرت المعلومات، فلا تستطيع اي جهة نشر الأخبار الحساسة أو الخاصة إلا بإذن رسمي، اي أنّ الاعلام ليس مسؤولا، وما دمنا قرأنا في مقالات بالأمس، معلومات تنسب الى مصادر مطلعة، فلماذا لم نفعل هذا في البداية، وليس للرد والتوضيح؟!
ربما يتذكر كثيرون ما حدث في عهد حكومة عبدالكريم الكباريتي عندما ارسل الحسين رحمه الله رسالة قوية وغاضبة وشديدة اللهجة الى بنيامين نتياهو، رئيس وزراء اسرائيل، رفضا لسياسة عدوانية صهيونية، لكن ما كان مهما ان الرسالة تم تسريبها عبر وسائل إعلام اسرائيلية، لكن بجهد أردني واحتراف سياسي، ما جعلها تقدم خدمة كبيرة لجوهر المواقف الاردنية.
ما هو مؤكد أنّ الملك في كل لقاءاته، السرية والعلنية، بما فيها اللقاء الاخير، يتحدث بصدق وقوة. لكن نحتاج إلى احتراف ومبادرة لخدمة مواقفنا لا أن نكون ضحايا للكذب الصهيوني، ونكنفي بالبحث عن طرق الدفاع عن النفس!

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية