هي المرة الأولى التي أشاهد فيها علبة حديدية يتم فيها حفظ وجبة من لبن المنسف  ومعه بضع قطع صغيرة من اللحم، وما على المستهلك إلا فتح العلبة وتسخين الوجبة التي تحتاج الى أرز لمن أحب، وهذه الوجبة توفر لك ممارسة التواصل مع الوجبة الشعبية من دون الحاجة إلى السمن البلقاوي والجميد الكركي أو حتى من بورصة الجميد ومركزها بلدة زحوم في الكرك.
هذه الوجبة يتم تصنيعها إضافة لوجبات أخرى لمصلحة تكية أم علي، وشاهدت هذه المعلبات في السوق الاستهلاكي الذي أقامته التكية في العقبة، بالتعاون مع المفوضية، وفكرته تقوم على تقديم مساعدات للأسر العفيفة في المحافظة، لكن بطريقة تعطي للأسرة حق التسوق ومتعته، تماماً مثل المؤسسة الاستهلاكية المدنية أو العسكرية، فلكل أسرة بطاقة ممغنطة بقيمة المبلغ الممنوح لها شهرياً، والأسر ثلاث فئات تحصل الفئة الأولى على 70 ديناراً من المواد شهرياً، والثانية على 50 ديناراً من المواد شهرياً، والثالثة تتقاضى 30 ديناراً شهرياً، وتأتي الأسرة الى السوق متى شاءت لتشتري وفق البطاقة ما تشاء خلال الشهر.
هنالك حتى الآن 500 أسرة في مدينة العقبة تستفيد من هذا المشروع، وهناك 500 أسرة أخرى من قرى المحافظة، لكن الجديد إعطاء هذه الأسر العفيفة متعة وحق التسوق خلال أيام الشهر، وهذا المشروع الذي بدأ في رمضان الماضي سيتم تطويره ليشمل السوق، أي ليس فقط المواد الاستهلاكية بل مواد أخرى تحتاجها الأسرة.
لكن تكملة المشروع ليست في هذا الجانب فقط، بل في مشروع يحفظ كرامة العائلات العفيفة ويفتح أمامها أبواب اكتساب الرزق، ولهذا يتم أخذ الشباب من هذه العائلات لتدريبهم وتأهيلهم، ثم توفير فرص عمل لهم في برامج تقوم بها التكية، بالتعاون مع المفوضية، مثل برنامج مشاوير أو غيره، لكن الفكرة هي إعطاء أبناء هذه الأسر فرصة للعمل والكسب، وهذا يعالج مشكلة كبرى تصنعها مسارات المساعدات فقط، التي تصنع ثقافة سلبية وتسلب من الناس قيماً جميلة.
الفقر والفقراء حالة لا يمكن أن تنتهي في أي مجتمع في العالم قديماً وحديثاً، لكن ما يميز أي مجتمع عن غيره أن تكون وسائل التخفيف من الفقر منهجية وذات قدرة على تحقيق هذا الهدف، وأن تحاول أن تذهب بالفقير الى امتلاك فرصة عمل لا أن تعزز ثقافة "كرتونة المساعدات"، وتزرع قيماً سلبية، والأخطر عندما يصبح التعامل مع الفقر عبر المساعدات جزءاً من العمل السياسي أو الدعائي لأي جهة من القطاعين العام والخاص، ولهذا فإن أحد معايير أي مسار للتعامل مع الفقر هو قدرته على الحفاظ على كرامة الإنسان، واستهداف الفقر كمشكلة، لا تقديم العون للفقير بما يعزز فقره ويحوله مادة لأهل السياسة والإعلام.
تقديم المساعدات بالشكل التقليدي أصبح وسيلة بدائية للتعامل مع الفقراء والفقر، فقد نحتاجها لبعض الفئات، لكن تعميمها يعبر عن فقر في قدرات الجهات التي تحارب الفقر، أياً كانت هويتها رسمية أو أهلية، ومثلما تجهد أجهزة الأمن في العالم نفسها في التفكير لتطوير وسائلها في مكافحة الإجرام والمجرمين، فإن الجهات التي تعمل لمكافحة الفقر يجب أن توجه جزءاً كبيراً من جهودها لتطوير وسائلها، والهدف دائماً أن لا يكون لأي مسار آثار جانبية قاتلة، وتحديداً فيما يخص قيم المجتمع وكرامة الإنسان.
أحيانا يكون تأمين تكاليف دراسة شاب في أسرة فقيرة في جامعة، أهم بالنسبة لها من السكر والأرز، لأنه تعليم يوفر لها بعد حين معيلا، كما أنه يرفع القيمة الاجتماعية للعائلة. لكن تربية أبناء أسر على مشاهد المساعدات ومنظر الأب أو الأم على أبواب أهل الخير، ثم تصويرهم على شاشات وصفحات الإعلام وهم يشكرون المسؤولين أو أهل الخير، يجعل الفقر والنفس المكسورة إرثا للعائلة.
 فلنكن أكثر إبداعاً في حربنا على الفقر، فالفقر ليس عيباً، لكن الخطأ أن تكون وسائلنا سبباً في صناعة ما هو أشد وطأة من الفقر على العائلات الفقيرة وشبابها.

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية