التقرير الأميركي، الذي صدر قبل ايام، عن التعذيب الذي يتعرض له العراقيون على أيدي قوات الاحتلال الاميركي يحمل حكاية طريفة، لأنه حمّل وزير الدفاع السابق رامسفيلد المسؤولية عما جرى من بعض عمليات التعذيب.
مثل هذه التقارير تحاول بعض الجهات إكساب الصورة الاميركية بعض المصداقية عبر اصدار تقرير يحمل ادانة نظرية لوزير سابق، لكن الاخطر انه يحول الانظار عن القضايا الكبرى الى التفاصيل والجزئيات.
فرغم أهمية ملف إنساني وحقوقي مثل ملف التعذيب لابناء الشعب العراقي. ورغم كل الصور الوحشية عما يجري داخل هذه المعتقلات لجيش ارساء الديمقراطية في العراق إلا أن الاهم أن هناك جريمة كبرى لحقت بالعراق وشعبه هي التي فتحت الباب لتدخل منه كل اشكال المعاناة والتي راح ضحيتها مئات الالاف من العراقيين وتم تهجير الملايين خارج مدنهم ووطنهم.
رامسفيلد ليس فقط مسؤولا عن جريمة التعذيب لكن كل الادارة الاميركية مسؤلة عن ام الجرائم وهي الاحتلال, فلولا الاحتلال لما كان هناك تعذيب. ولولا الاحتلال ووحشيته لما كان هناك مئات الآلاف من القتلى والضحايا وملايين المهجرين، ولما كان الفساد وتدمير الدولة وهدر مقدرات العراق وتحويله إلى مناطق نفوذ لأعدائه من كل مكان!
القضية ليست ملف تعذيب بضع مجموعات من العراقيين، بل في المشهد الكلي الذي لا يجوز ان يغيب تحت زحمة الفرح بتقرير نظري عن مسؤولية رامسفيلد عن تعذيب جرى، وحق العراق ان يتحول كل من تسبب بجريمة الاحتلال الى مجرم حرب، حتى لو لم تكن هناك عدالة او قضاء دولي لمحاسبته.
ولا يجوز تحت اي ظرف ان يكون الانجاز في ظهور تقرير يدين مسؤولا عن التعذيب وكأن وجود جيوش الاحتلال أمر مباح؛ لكن الخطأ في عمليات التعذيب، او كأن رامسفيلد وادارته وكل حلفائه لم يقترفوا خطيئة الا بعمليات التعذيب بينما كل الامور الاخرى مشروعة.
الامر يشبه حال لص يدخل بيتا فيقتل اهله ويأخذ اموالهم ويعيث فسادا في كل شيء بينما يخرج من يحمّله المسؤولية عن كسر لوحة ثمينة؛ اي اعطاء شرعية الصمت عن اصل الجريمة وتضخيم فعل جزئي جاء نتيجة من نتائج اقتحام البيت واستباحته.
في العراق محاكمات لاعضاء النظام السابق بتهم قتل مئات اوعشرات في قضايا جرت قبل عقود. لكن من يدافع عن حق مئات آلاف العراقيين الذين قتلوا بعد الاحتلال بأيدي جهات عديدة، فالحتلال الذي أوقع ضحايا لوجوده ساهم بتحويل العراق الى بلد دخله كل انواع القتل ودوافعه.
تقرير طريف وله جانب مأساوي! فمن لديه حس العدالة في هذا العالم يجب ان لا ينسى جريمة الاحتلال فهي ام الجرائم وسبب كل الويلات، وبعدها يكون الحديث عن التفاصيل تلقائيا، رغم كل المكانة التي لا ننساها لقضايا التعذيب التي عبّرت ايضا عن وحشية الاحتلال ووجهه الحقيقي.
واذا انتقلنا الى الحادثة المثيرة التي شغلت العالم منذ ايام، وهي حادثة الحذاء، او كما اسماه مواطن عراقي على احدى الفضائيات (الحذاء الرمز) وهي قضية تحدثنا بها جميعا، لكن يجب ان لا نخرجها من الاطار الشامل لها وهو الاحتلال. فإذا كان هذا العراقي قذف حذاءه نحو بوش فإن العراق داسته بكل اجرام مئات الآلاف من البساطير الاميركية والاجنبية من قوات الاحتلال.
هذا الاحتلال كان له شركاء من قوى سياسية عراقية كانت تسمي احتلال العراق بالتحرير، وكانت تغني لدبابات المحتل، وعملت تحت لواء ضباطه، وهي قوى من كل الطوائف والمذاهب.
مهما تكاثرت التفاصيل، فإن اي مشهد، مهما كان مثيرا، ليس اكثر من صورة جزئية في المشهد الكلي، وهو الاحتلال الذي يمثل اعلى مراتب الارهاب، وكل القضايا والملفات مهما كانت مأساوية، فإنها تعود الى ام الجرائم والمآسي، وهو الاحتلال الذي أفقد العراق صفة الدولة وسلب العراقيين الكثير من حقوقهم مواطنين او بشرا.

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية