الكثيرون منا إذا اخطأ أو فعل أمراً مشينا وقف نادما ووجه لعنة على الشيطان الذي يمثل رمزا الشر والاغواء لبني البشر منذ ان خلق الله تعالى آدم عليه السلام وحتى قيام الساعة، وهذا امر طبيعي لأن الشيطان نذر نفسه لإغواء البشر وابعادهم عن الحق والسلوك القويم.
لكننا كبشر نمارس احيانا نصف الحقيقة عبر لعنة نوجهها الى ابليس الرجيم، وهذا ما يفعله بعض صغارنا وأطفالنا ومنهم الطفلة نور التي تجاوزت العامين بقليل، لكنها وجدت من تنسب اليه اخطاءها وتحمله مسؤولية ما تفعل، فإذا اوقعت كأس الماء وسكبت ما فيه وسألتها امها عمن فعل هذا فإنها تقول انها سوسو، وهذا تمارسه مع كل اخطائها.
وسوسو طفلة اخرى، لكنها بالنسبة لنور رمز للشر، وهي الجهة التي تحولها الى شخص بريء من كل ما تفعله من اخطاء، وهذا يوفر لها ضميرا مستترا تلجأ اليه فإذا ارادت أن تستخدم كلمة غير مؤدبة ونحاسبها عليها لجأت الى التحايل والقول ان سوسو تقول كذا وكذا.
حتى الدول لديها (سوسو) خاصة بها مثل نور! فأمتنا عاشت عقودا طويلة من الهزائم والقمع والجوع تحت حكم انظمة ثورية وتقدمية وشبه رجعية، وكان الغطاء الذي ينسب اليه الشر والسوء الذي تعيشه الامة هو الامبريالية والصهيونية. لكننا في تلك الفترات اعطينا لأنفسنا البراءة والعصمة، وجعلنا سبب كل ما نعيشه هو الامبريالية والصهيونية، وهما عدو حقيقي للأمة، لكن هذا لا يعفينا من ادوار مارستها انظمة واحزاب واشخاص وجهات ساهمت ايضا في صناعة التخلف والقمع والفقر المؤسسي والهزائم.
ليست كل مصائبنا من اعدائنا فحسب، بل نحن لنا دور ومساهمة فاعلة فيها. ومن يعلق كل ما يمارسه من سوء وشر على الشيطان، وينسى ضعفه وطمعه وسوء خلقه ونفسه الآمرة بالسوء يمارس تحايلا على فكرة الخير، ويعاكس سنن الخلق، لأن الله تعالى يعلم ما للشيطان من دور في زراعة الشر ويعلم ما نفعله.
في كل المجالات سنجد انموذجا لما تفعله نور، لكن الفرق ان الاطفال يفعلون هذا من دون نوايا شريرة، لكن الكبار يقصدون الشر ويمارسون التحايل على انفسهم، وتوجيه اللعنة الى الشيطان بعد كل خطيئة ليست صك غفران من المسؤولية، واحيانا يكون من بني البشر من اصحاب الشر والعدوان والإجرام ممن يكون الشيطان الى جانبهم تلميذاً، وهؤلاء نجدهم في كل العصور ممن يمارسون القتل والتشريد والظلم والنهب والافتراء على الله والبشر، وليس بالضرورة ان يقاس الامر بحجم مساحة الشر، التي يصنعها بل بالدوافع وعمق السوء في النفس.
فما يفعله شارون او باراك هو إجرام، لكن قد يقترب منه اشخاص يحرقون بذرة الحياة في مجتمعاتهم او حتى لدى شخص واحد، فالله تعالى ادخل امرأة النار لأنها حبست قطة، فلا هي اطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الارض. والعبرة ان مخزون الشر لدى هذه السيدة كان يكفي لو توافرت لها الفرصة لإشاعة الفساد في مساحة اوسع.
مازالت نور رمزا للبراءة، وهي وكل اطفالنا لها في اعناقنا حق التربية الصالحة، وان نجعلها تدرك ان سوسو رمز وهمي للشر، وان في نفوسنا دوافع للشر من واجبنا ضبطها، اشخاصا او مجموعات او دولا، وكلما زادت مسؤولية اي منا كان بحاجة الى قوة اكبر لضبطه.
ربما لن تفهم نور ما نقوله ونكتبه عنها الا بعد ان تصل الى مرحلة تهرب فيها مثلنا من اخطائها الى الشيطان فتلعنه. لكنها ستحتاج وقتا طويلا حتى تكتشف اساليب الهروب التي يمارسها المحترفون من اهل كل مجال حتى المجالات ذات القيمة الكبرى من اخلاق او دين او سياسة او تعليم او غيرها من المجالات.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة