رغم تزايد الخطوات الدبلوماسية والسياسية لانهاء العدوان الصهيوني الا ان بعض مافيه من احداث تبقى جزءا من الصراع العربي الصهيوني، وليست خاصة فقط بهذه الاحداث، ومن هذا استخدام العدو لسلاح المجازر، كما كان واضحا في الايام الاخيرة قبيل النشاط السياسي.
فليست غزة هي البداية لكنها محطة في سلسلة طويلة من استخدام الكيان الصهيوني لسلاح المجازر ضمن معاركه ومساراته السياسية. واذا كانت مجزرة دير ياسين التي ارتكبتها العصابات الصهيونية عام 1948 بهدف تحقيق هدف تهجير الفلسطينيين عن ارضهم، فإن لكل مجزرة مسارا سياسيا، يضاف الى ان المجازر تمثل احد اشكال تجسيد الحقد وروح الانتقام التي تصبغ كل اعمال كيان الاحتلال.
واحيانا تكون المجزرة سلاحا للربط بين المقاومة والقتل في صفوف الفلسطينيين، ومنها مثلا مجزرة صبرا وشاتيلا، التي اراد الجيش الصهيوني أن يقول من خلالها إن سبب الموت هو نشاطات المقاومة، اضافة الى هدف اخر كان مرتبطا بعلاقة فلسطينيي لبنان مع اطراف لبنانية. لكن الهدف كان سياسيا، اي ليقال انه اينما توجد المقاومة يلحق الموت بالمواطن الفلسطيني، وهذا تكرر في مواسم عديدة عبر تاريخ الصراع.
واليوم في غزة تعيد قوات الاحتلال استخدام هذا السلاح من خلال زيادة اعداد الشهداء والجرحى من المدنيين. واصبحنا نجد خلال عمليات الاجتياح البري قصدا اكبر واكثر وضوحا للقتل بأعداد مجمعة وكبيرة في عائلات او سكان مبنى سكني او حتى منطقة.
ومع هذا السلاح يتم استخدام التشريد والتهجير من المنازل لان امكانية التهجير خارج غزة غير موجودة. والهدف السياسي ايجاد حالة تذمر بين اهل غزة والربط بين هذه المجازر وسياسة حماس او قيامها باطلاق الصواريخ.
انه سلاح تعتقد قوات الاحتلال انه يخدم هدفها الاستخباري والعسكري ثم السياسي عن طريق ايجاد قناعة لدى الناس بان هذا القتل لم يكن ليدخل البيوت بعد الانسحاب لولا ان حماس تمارس ما يجعل اسرائيل مجبرة على هذا، ويخدم هذا التوجه العدواني بعض الاصوات الفلسطينية وحتى العربية التي حمّلت، وما تزال، حماس مسؤولية انهاء التهدئة واطلاق الصواريخ ما قدم مبررا للعدوان، وهذه الاصوات ما تزال ترتفع رغم ضراوة العدوان وزيادة مساحة الموت.
اسرائيل التي تدرك سقوط منطقها، وبخاصة لدى الشعب الفلسطيني الذي ذاق العدوان والقتل قبل حماس وقبل حتى ظهور فتح ومن دون مبرر الا الطبيعة العدوانية لهذا الكيان، تراهن انها تستطيع بمجازرها ان تختزل من اذهان ابناء غزة كل تاريخ الصراع وان تجعل كل الزمن هو اللحظة التي يعيش فيها تحت المجازر والقصف والموت.
وتراهن إسرائيل على ان اجرام المجازر والعنف الكبير الذي تجري وفقه العمليات العسكرية سيجعل اللحظة الراهنة هي مصدر الأحكام والتقييمات لدى ابناء غزة.
يريد الاحتلال ان يخلق معادلة في ذهن الفلسطيني ان زوال الوضع الحالي وتوقف الموت مرتبط باستجابة حماس لشروط المرحلة القادمة التي تعمل حكومة الاحتلال على فرضها وفقا لمعطيات يفرزها العمل العسكري.
ويأمل كيان الاحتلال من سلاح المجازر الذي يستخدمه أن يشكل من خلاله ضغطا على القرار السياسي لحماس. فزيادة اعداد الشهداء والجرحى من المدنيين، وعلى شكل مجموعات سكانية من بيت او منطقة، تراهن اسرائيل انه قد يكون وسيلة ضغط على القرار السياسي لحماس. لأن إبقاء المعارك بين جيش العدوان وفصائل المقاومة يكون خاضعا لمعايير الصمود وتبادل الخسائر، لكن عندما تدخل البيوت والاسواق والاحياء السكنية الى معادلة القتل، فهذا يرى فيه اهل السياسة الصهيونية سلاحا للضغط السياسي ووسيلة لفرض وقائع على الارض.
سلاح المجازر احد الاسلحة التي بدأت آلة الحرب الصهيونية باستخدامها خلال الايام الماضية وتراهن انها ستخدمها في حركتها السياسية التي تهدف الى صناعة واقع جديد في غزة يكون ارضية لقرار دولي وتحرك دبلوماسي.
بقي القول ان المجازر تكون احيانا جزءا من الضغط السياسي قبيل فتح الابواب للعملية السياسية، وتكون تفريغا لحقد على حالة لم تتحقق او هدف لم يصل الى نهايته.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية