ماتزال بعض الاوساط السياسية والاعلامية العربية تتحدث منددة بتخاذل قوى الاعتدال في محنة غزة. وما يزال البعض يوحي بحديثه ان العالم العربي فيه قوى معتدلة متخاذلة وقوى عربية مقاومة تخوض الحرب وتفتح جبهات الحرب والقصف على اسرائيل مساندة لغزة وشعبها, وهذا وصف مايزال يستنسخ حالة اعلامية سابقة لكنها ليست حالة عسكرية او حتى سياسية لان كل مفردات النظام العربي معتدلة وتقوم بذات الافعال والاجراءات في مواجهة العدوان.
غزة تقاتل وتواجه العدوان وحدها وليس هناك في هذه المرحلة معسكر للمعتدلين وآخر للممانعين, فكلهم وجّه اعلامه للتضامن وشتم العدو الصهيوني, وكلهم يجمع التبرعات والغذاء والغطاء والادوية بحثا عن وسيلة ربما لم تتوفر للكثيرين لايصالها الى غزة وقد تبقى في مخازن معظم الدول العربية الى ان يشاء الله، وكلهم دان العدوان سياسيا وانتقد المجازر وانتهاك حقوق الاطفال، ومعظمهم تحدث عن قمة عربية رغم قناعتهم بعدم قدرتها على فعل شيء لكن القمة تحولت الى شكل من اشكال تصفية الحسابات العربية، وكلهم اجرى اتصالات ولقاءات مع اوروبيين وغيرهم مع افضلية لدول المنطقة.
ولعل بعض دول الاعتدال ومعها أمين عام الجامعة ذهبوا الى نيويورك حيث سعوا لاستصدار قرار من مجلس الأمن رفضته اسرائيل وحماس على السواء, وكلهم سيّروا او سمحوا بمظاهرات ومسيرات واعتصامات في بلادهم تشتم التخاذل وتحرق علم اسرائيل.
كلهم ممانعة ومعتدلون فعلوا كل هذا، لكن "الإضافي" كان في محاولات بعضهم استعمال غزة كجزء من اسلحة الاستقطاب العربي والخلافات التي لاعلاقة لها بفلسطين ولا بالعدوان على غزة.
كلهم معتدلون وفي مقدمتهم النظام الفلسطيني في رام الله الذي لم تخرج من جهته او من الفصائل التي تحت قانونه طلقة واحدة تجاه المحتل تضامنا مع غزة رغم ان مناطق السلطة مكتظة بالفصائل التي قد تكون السلطة تحاصر فعلها لكن حتى المحاولة لم تحدث.
كلهم معتدلون، فلم يفتح احد من دول الخطاب الثوري حدوده مع المحتل، مع ان المطالب ضمن لعبة الإعلام توجه للمعتدلين بفعل هذا، فاذا سلمنا ان معسكر الاعتدال ضعيف، فلماذا لم تجد غزة جبهات غير خطابية تفتح مناصرة لها من دول الممانعة؟ سؤال نعلم جميعا اجابته وهو ان الثورية في عالمنا العربي داخلية، اي لغايات الانقسام العربي، أما عندما تتحول الامور الى من يدفع الثمن فانهم كلهم معتدلون، وتغيب حكاية الثورية والصمود، لان كل نظام يبحث عن مصالحه ويحاول اجراء الحسابات التي تجعله من اقل الخاسرين ويتحول العالم العربي الى عالم من الاعتدال.
اما الحرب وتلقي العدوان فيكون على الطرف العربي الذي يقع تحت عصا العدو وهذا ما كان مرارا في فلسطين وكان في العراق واليوم تواجه غزة وحدها الموت اما الممانعة فهي اما خطابية او في تقديم بعض الخدمات الادارية.
المفارقة انه حتى في الخطاب الاعلامي فان بعض دول الاعتدال كانت اكثر قسوة على المحتل, والاغنيات ذاتها تبث عند المعتدلين والممانعين وحتى مشهد غزة وهي تحت القصف وهو يبث على الهواء فانه واحد لانه يباع من شركة واحدة تقريبا ويشاهده مواطنو الممانعة والاعتدال على حد سواء.
لنسمِ الاشياء بأسمائها، فالممانعة ليست عربية تجاه اسرائيل او اميركا، بل عربية عربية ولحساب التجاذب العربي. والاعتدال يمارسه الجميع تجاه اسرائيل، فكلهم اما يعقدون معاهدات او لديهم مفاوضات سرية او علنية او مكاتب تمثيل وعلاقات شخصية او تفاهمات سياسية غير معلنة. وحين يقع العدوان يستخدم الجميع ذات الادوات السياسية والاعلامية وتكون معتدلة اما الثورية فحدودها الإعلام لكن كل الجبهات هادئة ومريحة لاسرائيل، كلهم معتدلون، الا على بعضهم بعضا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة