كتب الفيلسوف الفرنسي أندريه جلوكسمان مقالة رثائية بحق الرئيس الشيشاني أصلان مسخادوف، الذي اغتيل على يد القوات الروسية في الأسبوع الأول من آذار الماضي.
وقد نشرت المقالة بالفرنسية في صحيفة "اللوموند" وبالألمانية في صحيفة "الجمانية زايتونغ" بتاريخ 10 و11 آذار، على التوالي، قال فيها جلوكسمان أن الشيشان خسرت "ديغولها"، نسبة الى الرئيس الفرنسي "شارل ديغول"، إذ رأى أن مسخادوف كان الأمل الباقي للسلام في الشيشان، وذلك باعتباره ناقداً للعمليات الدموية في مدرسة بيسلان ومسرح موسكو (دبروفكا، وقبلهما أحداث الحادي عشر من أيلول. ورأى فيه بطلاً حقيقياً لم تتحمله الامبريالية الروسية المتصاعدة بقيادة بوتين. وقد انتقد جلوكسمان العالم الغربي لإدارة الظهر عن دعم مسخادوف، وخلص الى التساؤل: من سيوقف الآلاف الذين تعرضوا للتعذيب على أيدي القوات الروسية، ولا يفكرون إلا بالانتقام؟ ومع من ستتفاوض الحكومة الروسية؟ ومن سيمنع تفاقم الأوضاع؟ كل ذلك إن لم يكن الجواب مسخادوف.
وجهة النظر القائلة بأن غياب مسخادوف سيدفع الى بروز التيار المتشدد من المقاومة الشيشانية الى السطح، ولا يبقى لروسيا من يتفاوض، أو بالأحرى من يقبل التفاوض معها تبدو صحيحية لمتابعي الشأن الشيشاني. فقبل اغتياله، صرّح "مسخادوف"، وفي مقابلة حصرية مع راديو أوروبا الحرة، أن جلسة من ثلاثين دقيقة وجهاً لوجه مع الرئيس بوتين ستكون كافية لحل الصراع. وهو الذي ركز مراراً على احترامه القانون الدولي، والدعوة الى التفاوض، ونبذ العمليات خارج الأراضي الشيشانية أو استهداف المدنيين. وإضافة الى رؤاه الداعية الى حل الازمة الشيشانية بالوسائل السلمية، فقد كان لاعتبار كونه رئيساً منتخباً، بانتخابات حظيت بقبول عالمي، مؤهلات أساسية ليكون الأقدر على حل الأزمة الشيشانية لو وافقت القيادة الروسية على التفاوض معه، دون نعته بشبيه بن لادن، واغتياله تالياً.
يكاد معظم المراقبون يجمعون على أن المرحلة الآتية في الشيشان ما بعد مسخادوف ستكون أكثر عنفاً. فعلى القوات الروسية التعامل مع جيل أصغر سناً وأكثر عنفاً، إضافة الى انه لم تعد هناك ضمانة لوقف العمليات في الخارج، ولا توجد قيادة بديلة ستقبل بالتفاوض مع روسيا، مما يؤشر إلى احتمال تصاعد الهجمات ضد القوات الروسية والحكومة الشيشانية الموالية، وهو الأمر الملاحظ فعلياً منذ اغتياله، بتزايد العمليات العسكرية ضد القوات الروسية. فاغتيال "أصلان مسخادوف" لعب دوراً رمزياً في الشيشان، بحيث غدا  مقتله مدعاة للإحباط لدى العديد من الشيشانيين، حتى من غير المنخرطين في المقاومة، حيث ان مسخادوف كان يعد الأمل الباقي للسلام في الشيشان. ويدلل على ذلك أن معظم مساجد الشيشان تلت الدعوات لمسخادوف إما تصريحاً أو تلميحاً، كما يشير تقرير "راصد براغ للأزمة الشيشانية". كما أن مسألة تسليم جثمانه غدت مصدراً لمناشدات من أقاربه إلى المنظمات الدولية، وسبباً لاعتصامات شيشانية في الأردن، وجورجيا، وتركيا، وأذربيجان، غير أن الرد الروسي كان بتفجير المنزل الذي عاش فيه، والتصريح بأن تسليم جثمانه لا يجوز وفقاً لقوانين مكافحة الارهاب الروسية، مما يؤشر إلى مضي روسيا نحو تعقيد الصراع وتصعيده.
 
التيار المتشدد ضمن المقاومة الشيشانية، والمتحالف مع التيار السلفي-الجهادي والذي يمثله المقاتلون العرب، لن تقيده اعتبارات مسخادوف برفض العمليات خارج الأراضي الشيشانية. كما أن التيار المعتدل الذي كان يمثله مسخادوف سيسعى للانتقام لمقتل قائده. وأما الحكومة الموالية فستكون عرضة للهجمات، لما توارد من تقارير عن لعبها دوراً في اغتيال مسخادوف، وعرضة للانعزال أكثر مما هي عليه الآن، لفقدان الأمل بالسلام حتى بين بعض اعضائها.
الإعلان عن تسمية "الشيخ عبدالحليم سعيدولاييف" رئيساً للجمهورية الشيشانية يدلل على ذلك المسار المتجه للتصعيد، ليس باعتبار "سعيدولايوف" من المحسوبين على تيار دون الآخر بل على العكس، باعتباره حلاً وسطاً بين التيارين المعتدل والمتشدد، بشكل يؤشر على غياب شخصية تحل مقام مسخادوف.
فعلى نقيض ما أعلنته الحكومة الروسية من أن "سعيدولاييف" يحمل الجنسية السعودية، فهو شيشاني من منطقة "أرغون" (12 كلم من العاصمة غروزني)، وهو من قبيلة شيشانية معروفة وتعد من مؤسسي المدينة. وقد كان "سعيدولاييف" يدرس اللغات في جامعة غروزني قبل ان يتوقف لاندلاع الحرب الأولى عام 1994، وهو يتقن الروسية، والعربية بالإضافة الى الشيشانية، وهو لم يخرج من بلاده إلا مرة واحدة للحج.
"سعيدولاييف" من مقاتلي الحرب الأولى، وقد كان يحاضر في الدين والشريعة، وإماماً لمسجد ارغون، وعضواً في تنظيم "الجماعة الإسلامية"، ومقدم برامج دينية في التلفزيون، فهو كما قيل أقرب للشخصية الدينية من كونه مقاتلاً، رغم أنه حاز على أوسمة رفيعة لجهوده في الحرب الأولى، وهذا جزء يؤشر على الطبيعة التوفيقية التي يمثلها.
وتشير التقارير أن زوجة "سعيدولاييف" قتلت على أيدي القوات الروسية. ومما يدلل على أنه شخص وسط بين التيارات الشيشانية أن بيان كل من نائب مسخادوف في لندن "أحمد زكاييف"، وقائد التيار المتشدد في المقاومة الشيشانية "شامل باسييف" بشأن تعينيه رئيساً للجمهورية الشيشانية جاءا منفصلين.
كما ان ذلك التوفيق، أو الحل الوسط، الذي يمثله "سعيدولاييف" بدا جلياً في أول بيان مكتوب له إلى الشعب الشيشاني، إذ يلحظ قارئه المزاوجة بين الخطاب الديني الذي ترتكز إليه التيارات المتطرفة، وخطاب الاستقلال واحترام القانون الدولي والتأكيد على السير على نهج مسخادوف.
هذا التوفيق يبرز بأن دور "سعيدولاييف" لن يكون مؤثراً في السلوك السياسي للتيارين المعتدل والمتشدد في الشيشان، فبفعل "اللاسياسة" الروسية تجاه الشيشان (كما وصفتها افتتاحية الواشنطن بوست على إثر اغتيال مسخادوف)، من الممكن ان تصبح الأفكار المتطرفة أكثر رواجاً وجاذبية لدى المحبطين، كما أن تلك النزعات ستتحرر من اعتبارات قائد الدولة السياسية، خاصة إذا أدركنا أن الرئيس "مسخادوف" كان قد أعلن وقف إطلاق النار من جانب واحد، والتزمت به فصائل المقاومة الشيشانية، بشكل اثبت فيه تأثيره على تلك الفصائل وامتلاكه زمام الأمور، ولكن الآن ستكون التيارات متحررة من تلك الاعتبارات الهرمية السياسية، عدا عن أن القابلية للتجنيد والاستقطاب ستتزايد بفعل تزايد المحبطين، وتبقى روسيا المتسبب الرئيسي في ذلك التفاقم. 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  مراد بطل الشيشاني   جريدة الغد