خلال أيام العدوان على غزة، كانت فضائية حماس تبث على شريطها الإخباري تحذيرات مشددة إلى تجار يرفعون الأسعار ويستغلون حاجة أبناء غزة، فتهدد حكومة غزة بعقوبات مشددة ضد هؤلاء، أي أنه حتى تحت العدوان، كان يقع الاستغلال ورفع الأسعار.
هذا يذكرنا بقضية نعيشها منذ شهور، تتعلق بفوضى السوق. هنالك قضايا ينبغي التعامل معها بدلالاتها المختلفة، وتجاوز بعدها المباشر على أهميته، فعندما يقوم شخص مثلاً بإغلاق شارع وفعل ما يريد وإطلاق النار على رجال الأمن في أي بلد، فإن الأمر يخرج من كونه قضية جنائية إلى أبعاد أهم، منها التطاول على سيادة الدولة وتحويل الناس من تحت سلطة القانون إلى سلطته، والعكس أيضاً، فأحدنا عندما يقف لشرطي السير في أي طريق، فإنه لا يقف لشخص الشرطي، بل لأنه يمثل سلطة الدولة والقانون، وهكذا فإن المعيار هو البعد الأهم للسلطة، فأي مساحة مهما كان شكلها أمنياً أو اقتصادياً أو سياسياً، تخرج ولو مؤقتاً من تحت سلطة القانون، أو يشعر الناس أن الدولة لا تملك إزاءها الكلمة الأولى، سيكون فيها إخلال بسيادة الدولة.
لن نذهب بعيداً، لكن قضية مثل السوق، واحدة من القضايا التي تتجاوز حدود التجارة، وأعني بهذا أي محاولة للالتفاف على القانون أو ممارسة قانون المصلحة الخاصة من أية فئة، فالأمر ليس قضايا خاصة بقسم مراقبة الأسواق، بل يتعلق بهيبة الدولة وقدرة الحكومة على حماية الناس. إذا شعر المواطن أن فئة يمكنها أن تفعل ما تريد، وأن تفرض السعر الذي يتناسب مع مصالحها، أو لمس امتناع أية فئة عن بيع أية سلعة، لأن الأمور ليست في صالحه، ويجد الدولة غائبة، ويتحول الأمر إلى فوضى يدفع ثمنها المواطن، فعندها لا يكون الثمن اقتصادياً وحسب، بل له بعد سياسي، ويشعر المواطن أنه بلا حماية، تماماً كأن يتعرض الأطفال للأذى، بينما يجدون الأب عاجزاً عن الإتيان بأدنى ممارسة تحميهم.
إنها أمور ترتبط بهيبة السلطة، ومكانة القانون، أكثر من أبعادها المباشرة. لهذا تجد المواطن يتساءل في حالات من هذا النوع: أين الدولة؟ والدولة هنا هي القانون والحماية، ولعل الدعوات الكثيرة التي صدرت تطالب بعودة وزارة التموين، ليست مغرمة بوزارة التموين نفسها، بل لأن هذه الوزارة هي أحد عناوين هيبة الحكومة في السيطرة على السوق، وما نتحدث عنه هو المطالبة بقراءة الأمور بأبعادها الكاملة، لكننا أيضاً مع إعطاء ذات الحماية والحقوق لأية فئة من التجار لها حق، فالقانون للجميع، لكن لا بد أن يشعر المواطن أن الدولة حاضرة، ولا تمارس المناشدة أو الصمت شهوراً، قبل أن تتخذ إجراءً، لأن كل يوم يمر ندفع ثمنه من قوة القانون ومكانته لدى الناس.
الأمر لا يعني اللجوء إلى ما مارسته أنظمة في دول أخرى، عندما قامت بإعدام تجار في وقت اضطراري، لأنهم مارسوا الاحتكار، لكننا نريد القانون الذي يبقي للدولة مكانتها القوية، وهذا لا يعني عدم تفهم أي مطالب أو وجهات نظر لأية فئة، بل القيام بكل هذا، لكن بعد ذلك لا تُترك الأمور لكل طرف، يفعل بها ما يشاء، حتى يفرض "قانونه" على الناس.
ما كان خلال الشهور الماضية من تجاوز للبعض على حق الناس في تخفيض أسعار سلع وخدمات، لم يقابله من الحكومة حزم مناسب وتطبيق سريع للقانون، ما جعل الناس تجد نفسها وحيدة في مواجهة طمع البعض واستغلالهم، والاستدراك الأخير فيما يتعلق بسعر الألبان هو أمر معقول، لكن الدائرة أوسع من الألبان، فهناك قطاعات مختلفة من تعليم ومطاعم وسياحة ومستشفيات وغيرها من القطاعات في كل المجالات، يجب أن تتم مراجعة أسعارها قبل ارتفاعات النفط، والآن يجب أن تكون الحكومة حازمة وعادلة مع التاجر والمواطن، لكن الواقع الحالي يحمل دلالات تتجاوز الأسعار إلى أمور تتعلق بمن يفرض ما يريد، وهذا أمر يترك أبعاداً كبيرة على قناعات الناس.
يمكن للحكومة، بالتعاون مع جهات أهلية، أن تُجري مراجعة لقوائم أسعار السلع والخدمات، وأن تفرض السعر العادل، أما التلويح بتطبيق مادة في قانون الصناعة والتجارة على سلعة بعينها، بينما هناك عشرات السلع والخدمات ما تزال تحت سيطرة صاحب المال، فهذا يتعارض مع سلطة الدولة ودورها في حماية الناس، ولهذا نتمنى على الحكومة أن تؤدي واجبها في المراجعة الشاملة، وأن تصل الرسالة للناس بأن القانون فوق الجميع، وأن جزءاً من هيبة الدولة يكمن في منع أي استغلال للناس، وأي سلوك يتضرر منه المجتمع، ففكرة السوق الحر أو اقتصاد السوق ليست قدراً، وحتى أميركا عادت لدعم البنوك عندما خافت على سلطة الدولة ومصالح الناس
المراجع
الموسوعة الرقمية العربية
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية