أعلم وتعلمون الانتقادات والملاحظات التي وصلت القيادة المصرية حول إدارتها لقضية غزة، سواء قبل العدوان، عبر قضية المعبر، أو حتى بعد بدء العدوان، بما في ذلك السلوك الصهيوني الذي تعمد الإساءة لمصر عندما أعلنت ليفني من القاهرة تهديد غزة، قبل يومين من بدء العدوان، وكذلك السلوك العدواني الصهيوني تجاه مصر، الذي تمثل بتوقيع مذكرة التفاهم مع الإدارة الأميركية، من دون مراعاة المصالح المصرية.
نعلم كل هذا، ونعلم أيضاً أن بعضهم استغل حالة الارتباك في الأداء المصري، للتحريض ليس على النظام المصري فقط، بل حتى على الدولة المصرية، وأتحدث هنا عن دول من مصلحتها المباشرة أن تفقد مصر مكانتها العربية، وأن يجري تحويلها رمزاً للشر.
لكن مع هذا، فإننا كعرب، مواطنين ودول، لنا مصلحة عربية عليا في أن تبقى الدولة المصرية مركز ثقل للفعل العربي، لأن مصر ولأسباب كثيرة، تمتلك كدولة القدرة على الفعل والقيادة، ولها هوية عربية واضحة حتى لو اختلف البعض مع سياساتها، والأهم أن مصر ليست عامل توازن داخل الإطار العربي وحسب، بل داخل الإطار الإقليمي ومع دول الإقليم الأخرى، وفي مقدمتها الكيان الصهيوني.
بعيداً عن التدخل في الشؤون الداخلية لمصر، فإن جزءاً من سياساتها هي شأن عربي، وليس مصرياً فقط، وذلك بسبب دورها وثقلها. وعندما يعبر العرب مرحلة يشعرون فيها أن هناك مساراً غير مقبول، أو غير مفهوم، في السياسة المصرية، فإن الحل لا يجوز أن يكون بالتحريض على الدولة المصرية وتصغيرها وتقزيمها والإساءة إليها، بل بتوجيه الملاحظات، لكن بما يتناسب مع قناعاتنا بدور الدولة المصرية. خلال أحداث العدوان، شاهدنا غيرة من الجماهير وحرصاً على دور مصري قوي، لكننا أيضا شاهدنا محاولات من دول مختلفة أيضاً للإساءة، ليس للنظام المصري، بل للدولة المصرية، فكان هناك تحريض في كل المراحل على مصر.
ما أقوله لا يعني الرضا عن كيفية إدارة الحكومة المصرية للحدث، لكنه يعني ضرورة الانتباه إلى وجود عمل منهجي تمارسه بعض الدول والجهات، بغرض الإساءة إلى الدولة المصرية، وقد يكون الإرباك في أداء الحكومة المصرية ساعد على هذا، لكن علينا أن نفرّق بين الغيرة على الموقف المصري، والجهد المنظم لتشويه صورة الدولة العربية المصرية، وتقديمها كأنها عدو للعرب وشريك للاحتلال. هذه القوى تريد إيجاد مساحة خالية في المنطقة بعد تشويه وإضعاف الدور المصري، لعلها تأخذ جزءاً من هذه المساحة الخالية، وهذا ينطبق على دول عربية وغير عربية، وفيه إساءة أيضاً للشعب المصري، لأن كثافة الضخ باتجاه الدولة المصرية يمس المصريين مواطنين وقوى سياسية، حتى من الناقدين والرافضين للسياسة الرسمية، بل إن البعض لم يتردد في ممارسة التحريض على انقلاب عسكري على النظام، وهذا أمر يعني زراعة فوضى في مصر، يستفيد منها أعداء الدولة المصرية.
لننظر إلى الصورة بعد كل الاتهامات والتحريض: كل الجبهات التي تدعي أنها حليف لحماس، لم تقدم لها مساندة غير التصريحات الإعلامية وجمع التبرعات، وأيضاً كانت عاجزة عن السعي لحل سياسي تحتاجه حماس لإنهاء العدوان، وعادت القاهرة لتكون العنوان السياسي، حيث المبادرات والتشاور، وأصبحت القاهرة هي الطريق لمساعدة حماس على تحقيق حل سياسي ترضاه، لأن لا أحد سيجبر حماس على قبول حل لا تريده، والشاهد أن الدور الحقيقي للحل كان في مصر لا عند الآخرين، ليس لأنهم أعطوا الميزة لمصر، بل لأنهم لا يملكون القدرة على لعب ذلك الدور، بما في ذلك تركيا، التي أدركت معادلة المنطقة، فعادت لتعمل تحت مظلة التحرك المصري.
ما أقوله لا يعني التغاضي عن كل الملاحظات التي تم طرحها منذ بداية العدوان، حول السياسة المصرية في إدارة المرحلة، لكنني أريد التفريق بين نقدنا ورفضنا لأية سياسة غير مناسبة، واقتناعنا بأن قوة مصر هي مصلحة عربية وفلسطينية عليا.
هذا يتطلب أمرين: الأول أن ننتبه إلى الجهد المنظم لإضعاف الدور العربي للدولة المصرية، الذي استغل حالة الارتباك في أداء الحكومة المصرية، وهو جهد لم ينطلق من حرص على غزة وفلسطين والقضايا الكبرى، بل كجزء من معادلة النفوذ في المنطقة. أما الثاني فهو أن يساعدنا أهل القرار في مصر على تفويت الفرص على الساعين لإضعاف مصر، وذلك عبر تقديم أداء لا ينطوي على ضعف أو ملاحظات جوهرية، من خلال الحفاظ على الدور المصري القيادي، والمبادرة إلى تقديم كل جهد يساعد أهل غزة، وهذا ما نتمنى أن يتم إذ لا مصلحة في تشويه دور مصر إلا لأعداء المصلحة العربية الحقيقية، وأولهم الكيان الصهيوني.

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية