اثبتت قيادة حزب العدالة التركي انها ليست فقط موفّقة داخليا بل تمارس استثمارا ذكيا لتناقضات المنطقة وترفع من مكانة الدور التركي اقليميا وعالميا, في منطقتنا التي تشغل كل العالم ويشتغل فيها كل العالم الا نحن العرب.
تركيا تحت حكم الحزب الاسلامي لم تغير هويتها. فكل ثوابت الدولة التركية وعلاقاتها الكبرى تم الحفاظ عليها، فالعلمانية لم تُمس وحتى معركة الحجاب في الجامعات لم يتم حسمها، وتركيا بقيت عيونها على اوروبا وعضوية الاتحاد الاوروبي، لأن هذا هو مصلحة عليا للدولة.
وتركيا حليف استراتيجي للولايات المتحدة اكثر من قوة التحالفات العربية مع واشنطن، ولا تقيم فقط علاقة مع اسرائيل بل تربطهما تحالفات أمنية وعسكرية قوية وتعاون في ادارة امور المنطقة، وحتى في اثناء العدوان على غزة وما بعده فإن العلاقة مع اسرائيل لم تمس ولم تتغير، لكن القيادة التركية استعملت قوتها وأوراقها في تقوية حضورها الاقليمي، فكانت تركيا نجم المرحلة وخرجت بمكاسب سياسية كبيرة وشعبية عارمة في الشارع العربي والفلسطيني.
تركيا ليست دولة ممانعة ولا تنادي بالحرب على اسرائيل، لكنها دولة فتحت الباب لسورية للتفاوض مع اسرائيل، وحتى بعد العدوان فإن أردوغان لم يقاطع قادة إسرائيل بل جلس الى جانب شمعون بيريز في منتدى دافوس ثم كان ذكيا عندما غادر غاضبا ليحتفل الأتراك والعرب وأهل غزة بمغادرته الندوة المشتركة مع بيريز، وليس بمقاطعته الجلوس معه، لكنه الذكاء المتوفق, وبدلا من أن يتم توجيه اللوم له للجلوس مع بيريز ودماء اطفال غزة لم تجف، ادار اللقاء بحيث وجه موقف قويا وخرج بطلا تركيا وعربيا وفلسطينيا.
ولعل جزءاً من ذكاء القيادة التركية أنها شعرت أن اوروبا واميركا تريدان طرفا اقليميا قويا يضعف وينافس الدور الايراني في المنطقة، وعرفت القيادة التركية بتنسيق او دون تنسيق ان اميركا واوروبا مستعدة لدفع ثمن دخول الطرف التركي.
تركيا لا يمكنها منافسة ايران شعبيا دون أن يكون هذا عبر موقف شعبي وسياسي قوي في القضية الفلسطينية وليس افضل من العدوان على غزة لإعطاء قوة دفع للدور التركي الذي اداره اردوغان بكل ذكاء، واستثمر مخزونه ومضمونه الاسلامي ووقف مواقف قوية تجاه اسرائيل واستطاع ان يحصل على ثقة حماس التي فوضته بالحديث باسمها في مداولات مجلس الامن.
وعندما جاءت المبادرة المصرية وقفت تركيا خلف مصر لأنهما من معسكر واحد ولأن معسكر الاعتدال العربي ليس خصمها وليس من تريد منافسته. وخرجت تركيا بمكسب كبير سياسيا وشعبيا دون أن تدفع ثمنا على حساب علاقاتها الاستراتيجية مع اسرائيل، بل ان احدا لم يطالب تركيا بقطع العلاقات مع اسرائيل, ثم جاء منتدى دافوس الذي استطاع اردوغان ان يحوّله الى معركة كبرى وتخرج الجماهير تهتف باسمه في عواصم عربية وغزة.
ذكاء كبير واستثمار لتناقضات المنطقة وضعف العرب وقراءة لحاجات اميركا واوروبا في المنطقة وتوّج هذا بشعبية كبيرة في الشارع العربي والفلسطيني، وهذا يسجل للقيادة التركية التي ربما تجد تفهما دوليا لمواقفها القوية تجاه اسرائيل، وربما تحقق مكاسب اقتصادية لأن كل ماهو تركي من بضائع سيصبح مطلوبا تقديرا لما جرى.
كل الدول التي تدخل على القضايا العربية تحقق مكاسب كبرى بأقل الاثمان السياسية لأننا نحن العرب وقوانا الكبرى غائبون ومتراجعون، بل ان العمل في قضايانا يكسب هذه القوى مكانة لدى الدول الكبرى. فإيران رفعت مكانتها وزادت اسلحتها باستثمارها الواقع العربي وتركيا بذكائها ستستفيد من ضعفنا، وكما ان بعضنا معجب بالموقف الايراني فإن بعضنا الآخر سيقف اكبارا للموقف التركي وسينقسم هتافنا بين هتاف لطهران وآخر لاسطنبول, ويستحقون هذا لأننا فقدنا القدرة على صناعة مواقف عربية.
 نحن الشعوب سعداء بالدور التركي لأنها يمارس نوعا من "العين الحمراء" تجاه الكيان الصهيوني، ولأنه رفع صوتا عاليا رافضا لسياسات صهيونية، لكن إلى جانب الفرح إيجابيٌ أن ندرك كل التداعيات والتفاصيل. 

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية