عبر عقود تعاطي العرب مع الانتخابات الصهيونية يكون التقييم للنتائج على اساس معسكري السلام والتطرف في كيان الاحتلال, لكن المفارقة ان كل الحروب والاحتلالات والمجازر تمت في كلا المعسكرين, وحتى المعاهدات فانها ايضا تمت في عهدي السلام والتطرف, فالمعاهدة مع مصر وهي الاصعب تمت في عهد بيجين وهو من معسكر التطرف واليمين والمشاركة في مؤتمر مدريد كانت عبر وفد برئاسة اسحق شامير المتطرف.
هم يتحركون بناء على مصالحهم فاذا كانت المصلحة ان يركب المعتدل!! منهم دبابة فعلها, وهذا باراك زعيم حزب العمل "المعتدل" يقود العدوان على غزة, وقبله بيريز قاد عملية عناقيد الغضب ومجزرة قانا, واذا كانت المصلحة ان يوقع المتطرف معاهدات واتفاقات فعلها, فهم يمارسون مصالحهم العليا باحتراف وصدق فلا خنادق سياسية ثابتة بل هي مصلحة كيان الاحتلال, ولهذا يحققون الانجازات والانتصارات السياسية والعسكرية.
الانتخابات الاخيرة التي انتهت قبل ايام لم تحمل تصويتا من الناخب الصهيوني على الحرب او على السلام, لكنه صوت لمبدأ الامن والامان الذي يحتاجه سكان كيان الاحتلال, لهذا اعطى ثقة كبيرة وتفوقا نسبيا ومكافأة لحزب كاديما برئاسة ليفني التي قادت مع اولمرت عدوانا على غزة وضربت بآلة عسكرية جبارة بكل اجرام, وهذا من وجهة نظر جمهور الناخبين أمان وطمأنينة لان المجتمع الصهيوني مسكون بقلق حقيقي بانه في خطر وان كل من حوله اعداء له, وان الحفاظ على امنه لا يتم الا بالقوة العسكرية والحروب, وهذه الحالة من القلق الدائم هي التي تجعل الكيان الصهيوني ينظر بريبة الى السلام والمعاهدات, لانه لايرى فيها مصدر امان كامل.
والناخب الصهيوني صوت بذات النسبة تقريبا لليكود الحزب السياسي اليميني الذي يمكنه لو فاز ان يطور ويعمق حالة الامان كما يراها المجتمع الصهيوني عبر مزيد من القسوة والعنف والاجرام تجاه الشعب الفلسطيني, فهما طرفان الاول خاض حربا وشن عدوانا قاسيا لم يرحم به انسانا ولا جمادا وهو كاديما, والاخر الليكود الذي لديه استعداد لفعل اكثر مما فعل كاديما, ويؤمن بمبدأ توفير الامن للمجتمع الصهيوني عبر التطرف والحروب, وهذه المعادلة ستجعل الطرفين الليكود وكاديما في سباق بينهما نحو من يحقق الامان والطمأنينة للناخبين, وهم جميعا يدركون ان المجتمع الصهيوني على قناعة بان ما يسمى امن اسرائيل لا يتحقق الا بالردع العسكري والتطرف السياسي.
ومفهوم الامان ليس غائبا حتى عن الاحزاب الاخرى؛ فحزب اسرائيل بيتنا المتطرف يؤمن بالامان القائم على تطهير كيان الاحتلال من اي عربي, ويؤمن بان حل المشكلة الاسرائيلية يقوم على اكثر الحلول قسوة من تهجير وطرد وغيرها من الافكار التي تحتاج الى حروب لتنفيذها, ولهذا فهو متطرف في السعي لتحقيق ما يخمد حالة القلق الدائمة داخل كيان الاحتلال, اما حزب العمل فهو من اكثر الاحزاب التي قدمت عبر مسيرة انشاء وتثبيت دعائم كيان الاحتلال, فقد خاض الحروب باقتدار وقدم الكثير في المراحل الحاسمة, وقدم نفسه عربيا ودوليا على انه حزب السلام, وزعيمه بيريز الاب للمشروع النووي الصهيوني وباراك زعيمه اليوم رمز للحرب ولديه من الرغبة في القمع ما تفوق صورة الاحزاب المتطرفة.
المجتمع الصهيوني اعطى صوته للاحزاب التي تمنحه الامان وتعالج قلقه المتجذر, وكاديما الذي برأي فئات من الاسرائيليين وجّه ضربة قاسية لحماس اخذ المكافاة, ونتنياهو اخذ تفويضا للمرحلة المقبلة, اما حكاية السلام فهي محدد محدود في تفكير الناخب الاسرائيلي الذي يتحرك لتحقيق مصالحه وأمنه لكن بالطريقة التي يراها.
المراجع
الموسوعة الرقمية العربية
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية