أهل الامثال يشبّهون الحياة بأنها مثل المسافة الزمنية التي يقضيها الإنسان على كرسي الحلاقة، لكن اهل السياسة ايضا يشبهون المواقع الوظيفية المهمة بكرسي الحلاق، فترة زمنية قصيرة يغادر بعدها الشخص هذا الكرسي وقد يعود إليه وربما لا يعود، لكن العبرة بالتشبيه في ان المدة ليست طويلة.
لكن بعض المواقع المهمة لا تشبه كرسي الحلاق بشكل كامل، فأنت على كرسي الحلاق تجلس آمنا مطمئنا وتعلم متى سينتهي لأن الخطوات واضحة منذ ان يبدأ بوضع "البشكير" وحتى يضع الكولونيا على يديه ويعطرهما ثم يمر بهما على وجهك وشعرك الى ان يخبرك بكل هدوء بالنهاية بالكلمة المشهورة "نعيما"، وربما يسبقها بأن يعرض عليك اي خدمات، وهكذا فالعملية آمنة إنسانيا ونفسيا.
اما في بعض المواقع فالحال يختلف في النهايات، لأن من يشغل أحدها لا يعرف متى يغادر وكيف يغادر، وأحيانا يغادر المكان والرغوة على وجهه او قصة شعره غير مكتملة، ويضطر للقفز عن الكرسي دون ان يلبس النظارة او يضع السترة على جسده، فهذا الكرسي ليس له موعد للمغادرة وحتى لو توافرت مؤشرات فإن الرحيل يكون احيانا مفاجئا وبلا مؤشرات.
والأذكياء لا يمكنهم الا ان يتقنوا الحسابات لأن بعض من اعتقدوا انهم اذكياء ممن شغلوا اهم المواقع لم تفلح حساباتهم، ولم يحسنوا قراءة ما حولهم، فقراءة "الممحي" من الكلام مهارة قد تغيب لدى بعض من يدعون اتقانها، وأحيانا لا يحسن احدهم التمييز بين الرضا من صاحب الامر والصمت، وهكذا حفلت العديد من المراحل بأشخاص غادروا الكرسي وهم نيام بل وهم يحلمون بمزيد من النفوذ، وحفلت المراحل بمن غادروا وهم لم يكملوا الزينة وبقي نصف الشعر لم تمسه المقصات، والبعض غادر قبل ان يصل الى مرحلة الكولونيا، او لم يسمع كلمة نعيماً.
والذكاء الذي يغيب او دقة الحسابات التي لا يتقنها من يدعون انهم يحسبون حتى للدول، كل هذا قد يغيب بعد مغادرة الكرسي، فالبعض تسعفه خبرته واتزانه في ان يستعيد توازنه بسرعة ويعطي انطباعا بتكيفه مع ما حدث، والبعض يستطيع ان يرسم على وجهه وفي سلوكه ما يشير الى نضج ويحاول ان يعمل للخطوة القادمة لعله يعود مرة اخرى الى الكرسي رغم مرارة طريقة المغادرة، لكن البعض لا تسعفه الخبرة وبخاصة ممن يقفزون في سلم المواقع بشكل غير مفهوم او على ظهور المراحل والرجال، وعندما يعيش ظرفا غير طبيعي لا يستطيع التصرف الا بما لديه من مخزون خبرة او قدرات سياسية وأخلاقية فينفلت اللسان ويتحدث بما لا يجب مع انه كان ممن ينتقدون او يرفضون او حتى يحاسبون من يفعلون هذا.
الخبرة والنضج وحسن الإدارة ليست تلك التي يدعيها شخص وهو في قمة مجده وسلطاته بل في المراحل الصعبة وأهمها القفز او الاخراج من الكرسي، ومن تحمله الظروف غير الحقيقية الى مواقع لا يستحقها يكتشف هو ومن حوله عندما يتم إخراجه من المكان انه خرج ايضا عن شكليات الاتزان السياسي، وهذا الامر ليس فقط في المواقع الرسمية بل حتى في بعض الهيئات الشعبية، ولهذا تحدث الانقلابات في الخنادق والمواقع، وهناك من يتقن اصطياد المخرجين من مواقعهم اما لتوريطهم او لاستعمالهم سياسيا او حتى لقطع الطريق على اي امل في عودتهم الى كرسي حتى لو كان شكليا. 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة