أخبار المشاجرات في الجامعات والتي غطت مساحة الوطن من شماله الى جنوبه مرورا بوسطه، تثير الشجن وتطرح سؤالا مخجلا أكثر مما هو مؤلم، وربما يفضي هذا السؤال الى مجموعة أسئلة تحتاج إلى إجابات واضحة من مسؤولي الجامعات.
إذا كان طلاب العلم في الجامعات يسلكون هذا المسلك، فماذا أبقوا لمن لم يخدمهم الحظ أو المعدل العلمي أو القدرة المالية على الدراسة، وماذا أبقوا لفئات المجتمع التي تعمل في وظائف دنيا أو حتى ماذا تركوا للعاطلين عن العمل والمتسكعين في الشوارع؟ 
استمرار المشاجرات عائد أصلا إلى الاحتقان الاجتماعي والعلاقات غير المتوازنة بين فئات المجتمع والفراغ التي يعيشها الطلاب. ولكن المأساة تكمن في أن الجامعات التي يفترض أنها منارات علم، وأن منتسبيها عماد المجتمع وبناة نهضته ومستقبله، تصبح هي المصدّرة للمشاجرات وأعمال الشغب التي انتقلت من داخل أسوارها إلى المجتمع، بناء على عادات "الفزعة" وانصر أخاك ظالما أو ظالما، بدون التفكير بالأسباب أو النظر إلى العواقب.
لماذا استمرت المشاجرات وزاد عددها حسب لجنة المتابعة للحملة الوطنية من أجل حقوق الطلبة "ذبحتونا" التي رصدت 14 مشاجرة كبيرة في الأشهر الأخيرة امتدت آثارها إلى المجتمع المحلي؟ لقد كان علاج العنف منذ البداية بعيداً عن الحزم واتسم بالعشائرية التي أبقت الحال على ما هو عليه بدون ان ينال المتسببون به أي عقاب رادع، وعادوا الى مقاعدهم الدراسية وكأنهم لم يقترفوا ذنبا. وكما كان علاج العنف المجتمعي خارج الجامعة رخواً كان أكثر رخاوة داخل الجامعة، ما شجع على الاستمرار في هذا النهج في ظل غياب العقوبات الرادعة.
السؤال الأكبر والأخطر الذي يطرح الآن وبقوة: هل تقوم الجامعات بدورها التعليمي والتثقيفي وهل يحتاج التعليم الجامعي الى إصلاح؟
في التحقيق الذي نشرته "الغد" في 23 تشرين الثاني الماضي دلالات مرتبطة بحقائق حول كارثة قادمة في التعليم الجامعي؛ فالطلاب بدلا من البحث والقراءة يشترون أبحاثهم من مكاتب متخصصة، ووصل الأمر إلى بيع وشراء رسائل ماجستير ودكتوراه، وهذا يكشف أن الخلل عميق فعلا، وأن القائمين على الرسائل ومشاريع التخرج لا يتابعون طلابهم ولا يقرأون ما يكتب تلاميذهم، فيتم خداع الجميع ابتداء من الطالب الذي يخدع نفسه أولا ثم الاستاذ المشرف الذي لا يقرأ رسائل طلابه ثم المجتمع المسكين الذي يبتلى بهؤلاء الخريجين الذين يرتعون بالجهل أكثر مما ينعمون بالعلم، ومخرجات هذا الوضع تنعكس بالضرورة على كافة زوايا المجتمع.
لقد خرّجت الجامعات الاردنية في زمن مضى كتابا وروائيين وشعراء ونقادا وفنانين يشار إليهم بالبنان وأصبحت أسماؤهم علامات بارزة في ميادينهم في الوطن العربي.
ثم أصبحت الجامعات تهتم بالربحية أكثر من اهتمامها بالتعليم، وهاجر الأساتذة أصحاب الخبرات إلى الخارج بحثا عن ظروف حياة أفضل، وزاد عدد الطلاب وقل عدد المدرسين، ونحن الآن في طريقنا إلى دخول موسوعة غينيس للأرقام القياسية في عدد المشاجرات والمتشاجرين، وليس في عدد الإبداعات والمبدعين، وبعد ذلك هل نأمل في إصلاح التعليم الذي أصبح ضرورة مهمة، أم نقول العوض على الله؟

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف مصطفى صالح.   جريدة الغد