من حق العرب والمسلمين في كل العالم ان يتعاملوا بشك وريبة مع كل مسارات المؤسسات الدولية, ومن الطبيعي ان نفسر كل او معظم ما يصدر عن هذه المؤسسات تفسيرات سياسية حتى وان كانت ذات اشكال قانونية, لاننا اصحاب تجارب مريرة مع ما يسمى الشرعية الدولية في قضايانا الكبرى واهمها الصراع العربي الصهيوني. واخر القضايا احتلال العراق الذي تم من دون موافقة من الامم المتحدة بل تحديا لها لكن المجتمع الدولي عاد لينسجم هو مع الاحتلال بدل ان يعاقب من احتل ارضا وشعبا وعاث فيهما الفساد والموت.
وليس ببعيد عنا العدوان على غزة الذي لم تجف دماء الاطفال والابرياء الذين سقطوا من اثار النيران الصهيونية والاسلحة المحرمة التي تم استخدامها في حرب محرمة, ولهذا فمن الطبيعي ان لا يقبل العقل العربي كل التبريرات القانونية التي تساق عندما يتم فتح اي ملف عربي او يتم استهداف اي ارض او شعب عربي.
اما السودان فهو قضية مفتوحة منذ عقود, وحتى لو كان هناك مشكلات بين بعض الجغرافيا او السكان هناك لكن القضية كانت ذات ابعاد اخرى, ومنذ عقود كان الكيان الصهيوني حاضرا في القضية السودانية وكانت الدول الكبرى, واختلط الماء والنفط والدين والعروبة والاستعمار وغيرها من المشكلات في اطار واحد هي مشكلة السودان.
وعندما جاء النظام الجديد عام 1989 زاد الامور بعدا جديدا لانه حمل هوية حزبية واسلامية, واصبح المواطن العربي المتابع يجد امامه قضايا متداخلة مابين الجنوب ودارفور والمعارضة, وما ان يغلق باب حتى يتم فتح باب اخر, وعندما يتم الاعلان عن انهاء ملف يخرج ملف جديد, لكن كان واضحا ان السودان جغرافيا ذات مكانة خاصة دوليا وان الطامعين من الكبار كثر لهذا كان حجم التآمر كبيرا حتى قبل ان تظهر قضية المحكمة الجنائية الدولية.
ولعل الاشقاء هناك في النظام كانوا يدركون جيدا ما يخطط للسودان لكنهم كانوا يعتقدون ان وقتا طويلا امامهم للمواجهة ولعلهم لم يغلقوا بعض المنافذ التي دخلت منها الدول الكبرى للتضييق, لكن ربما حتى لو فعلوا لما استفادوا لان من يريد العبث لا ينتظر المبرر او يصنع مبررا وهميا مثلما كانت اسلحة الدمار الشامل مبررا لاحتلال العراق ثم ثبت انها اكذوبة.
المحاكمة ليست للبشير بل للسودان. وحتى لو لم يتم اعتقاله فان النظام السوداني اصبح في نظر العالم خارجا على القانون, والمفارقة ان التهمة لنظام يحمل هوية حركية اسلامية هي تهم اخلاقية اي ابادة واغتصاب وجرائم حرب وهذا عنوان مقصود، ومهما وقفت الدول الصديقة للسودان موقفا رافضا للمحكمة فان الامر في النهاية سيحدث اثرا في مواقفها لان من صنعوا القضية يستندون الى ما يسمى الشرعية الدولية التي لايجاهر احد في رفضها.
هذا يعني ان السودان دخل في مرحلة من الاستهداف الدولي لانه لن يسلم زعيمه, وحتى لو سلمه فهذا يعني تجريما للنظام وسيكون الباب مفتوحا لتغييرات وربما لطلب تنازلات مقابل تسويات وهذا يعيدنا الى الاهداف الحقيقية التي تتم عمليات استهداف السودان من اجلها منذ عشرات السنين.
الاحتلال والاخضاع الناعم عبر القانون الدولي والمحكمة الجنائية الدولية مسار جديد لتحقيق اهداف ولا ضرورة للحروب الصارخة ان تكون هي الوسيلة, واي اذلال ان يتم اقتياد قائد بلاد مقيدا الى سجن ويقال انه شخصيا المتهم! فهذا طريق سهل وناعم لتغيير الانظمة وتبديل هويتها وحتى اولوياتها وارغامها على الاستجابة لما يطلب منها.
من حق السودان على أمته التضامن معه ليخرج من هذه المحنة بأقل الخسائر، ولعل هذه القضية اختبار جديد للامة في كيفية ادارة ازمة من نوع خاص لا يقصد منها شخص الرئيس بل الدولة، بل ان المحكمة مرحلة من مراحل ملف مفتوح منذ عشرات السنين.
المراجع
الموسوعة الرقمية العربية
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية