عبارة عابرة قالها احد اصحاب الخبرة: الى متى تبقى الدولة بعد اكثر من ثمانين عاما على وجودها تجرب؟ وهو تساؤل وطني مشروع في العديد من المحطات التي نشعر فيها ان التجريب له ثمن باهظ على الدولة والناس والإنجاز وحل المشكلات.
المشكلة تكون مضاعفة اذا كان التجريب والتجربة لقضايا وفي مجالات يفترض اننا حصلنا فيها على تراكم خبرة واصبح لدينا فيها رؤية واستنتاجات وخلاصات. ومن حق اي اردني ان يتوقف متسائلا عندما يرى تجارب غير ناجحة في مجالات او اشخاص او مسارات سبق ان كان لنا فيها تجارب ويفترض ان لا نعيد التجربة ثم تكون تجربة غير ناجحة وندفع الثمن مرة بعد مرة.
لماذا نجرب مرة بعد مرة مواصفات لاشخاص ثبت انهم غير منتجين او اصحاب قدرات متواضعة او أن ولاءهم لاشخاصهم ومصالحهم؟ وهنا لا نتحدث عن اشخاص بل عن مواصفات لاشخاص، ويدخل تحت هذا البند الطرق والأسس التي تصنع الدولة من اصحاب هذه المواصفات قادة واصحاب نفوذ.
واحيانا نكرر وجود الاسماء ذاتها في مواقع مختلفة رغم ان الدولة تلدغ من هذا الجحر مرة بعد اخرى، واحيانا يكون المبرر ان الدولة لاتأكل ابناءها لكننا نسمح لاصحاب هذه المواصفات ان يأكلوا الدولة ليس ماليا بل سياسيا.
لماذا مانزال نجرب بعض السياسات التي نرى عدم جدواها، لكننا نعود لها لندفع ثمنا اضافيا. ولماذا نجرب بعض الاسس والمعايير في ادارة معادلات الدولة الداخلية والخارجية، ثم ننتقد هذه الاسس، لكننا نعود لاستعمالها وتجربتها مرة بعد اخرى من دون ان ندرك ان علينا تحويل تجاربنا المريرة والمكلفة الى مسارات ايجابية لكننا نصر على دفع الثمن مرارا.
هل الدولة تقرأ وتدرس تاريخها وتجاربها وتقيّم رجالها ومساراتها، ام اننا ندير المراحل بشكل منفصل مرحلة مرحلة؟ وهل هناك عقل وذاكرة ادارية وسياسية واجتماعية تجعلنا لا "نجرب المجرب" ولا ندفع الثمن عاما بعد عام ومرة بعد مرة, وهل لدينا مسار مؤصل يجعلنا ندرك كيف نصنع رجالا للدولة وكيف نبني طبقة سياسية وادارية ونخبا وقيادات مجتمع؟
وهل لدينا مخزون يجعلنا نتجنب تكرار مراحل سياسية واقتصادية واجتماعية كانت مؤلمة وصعبة على الدولة؟ وهل لدينا مرجعية تقف بالدولة في المراحل المختلفة لتنصح بأن لا نعيد ممارسة ما سبق ان كان غير ناجح، ومن هي الجهة التي تمثل الذاكرة القوية والحكمة المبكرة التي جعلنا اكثر قدرة على ان نكون السعيد الذي يتعظ بتجارب غيره؟
اسئلة وتساؤلات كبيرة وعديدة تخرج بنا عن الحدث اليومي، ونتجاوز بها الاجراءات والقضايا التي تستغرقنا جميعا الى المسارات الكبرى، التي تجعلنا لا نشاهد التجارب ذاتها  تتكرر علينا من دون ان نستفيد من تكرارها، بل ونعيد تبني سياسات او اشخاص ومواصفات، احتفلنا عندما اكتشفناها في مرات سابقة.
القضية ليست ان نشكل حكومة ولا ان نعين فلانا في موقع او ان نسير باتجاه ومسار، لكن الاهم ان نمتلك دائما اجابات من مخزون التجربة، والحكمة عن الاسس التي جعلتنا نتبنى مسارا او نولي الامر الى فلان او نسكت عن طريقة تفكير او ان نسمح لخطأ ان يكتسب الشرعية لاننا مارسنا صمتا على وجوده.
الدولة هنا لا يجوز لها ان تفتخر فقط بعقود مضت من قيامها او استقلالها, بل عليها ان تكون مؤهلة لان تصنع من تلك العقود عقلا، وذاكرة ومخزون حكمة، ما يمنعنا من تجربة المجرب، سواء كان شخصا او مسارا اوسياسة او اسسا، والا فسيصبح الامر اعياد ميلاد احتفالية وليس تراكم عقل وخبرة.
ما نقوله لا يعني اننا لا نملك جزءاً مما نتحدث عنه، لكننا يجب ان نملك الحد الأقصى الممكن حتى نلغي من واقعنا السؤال: لماذا نجرب ما دفعنا ثمنه؟

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية