ما يجري في مصر، أرض الكنانة، يؤكد بما لا يقبل جدالا أن القوى المناهضة للتغيير والمقاومة للحياة الديمقراطية الحقيقية، ما تزال ممسكة بزمام الأمور بقبضة حديدية، وأن تغيير شخص الرئيس، وبعض من حوله من رجالات الحكم لا يعني تغيير المفاهيم والأساليب التي كانت متبعة في القمع والاضطهاد وممارسة أقسى أنواع التنكيل بحق أبناء الشعب. وتغيير الوجوه والأسماء لا يعني بالضرورة أي تغيير في المنهاج السياسي والأمني.
المشاهد التي بثتها قنوات فضائية عديدة لعدد من رجال الشرطة وهم ينهالون ضربا بالعصي على أحد الشباب المتظاهرين بقسوة، لا يمارسها إنسان على آخر إلا إذا كان مليئا بحقد غير عادي تم زرعه في داخله ضد أبناء جلدته، أو الفتاة التي تم سحبها من شعرها بطريقة تخلو من احترام آدمية الإنسان هي تأكيد على أن السياسة نفسها مستمرة في التعامل مع أبناء الشعب وأمانيهم وتطلعاتهم نحو المستقبل.
عمليا.. لم يتغير شيء على أرض الواقع، بل ازداد الأمر سوءاً. واتهام منظمة العفو الدولية الصريح للنظام القائم حالياً باستخدام أساليب أكثر وحشية وقسوة من تلك التي استخدمها نظام الرئيس حسني مبارك، وأعداد القتلى والجرحى في اليومين الماضيين؛ تؤكد ذلك، وأن النظام القائم قد صادر آمال الشعب وتطلعاته وسحق أمانيه بلا هوادة.
وقد أدرك الشباب المحتجون أن الوعود التي قدمت كانت جوفاء أشبه بالسراب لا أساس حقيقيا لها، والانتخابات التي كان يجري الإعداد لها وهمية، هدفها تحقيق شرعية زائفة، لا تخدع احدا. فعادوا الى ميدان التحرير، وعادت معهم كل أساليب القمع والقهر والقتل. ولم تعد الأحداث إلى مربعها الأول، ولكن إلى ما دون ذلك بكثير، حاملة معها الآلام، بدل الآمال. وعاد المجتمعون يطالبون بإسقاط المشير، كما طالبوا باسقاط الرئيس.
دائما كانت مصر ارض الكنانة، تقف في منتصف المحيط العربي من أقصاه إلى أدناه، جدارا قويا منيعا تستند إليه الأمة العربية في أزماتها ومحنها. وعندما كانت عاديات الزمن تضرب هذا الجدار، فيميل او ينحني قسرا الى هذا الجانب او ذاك، كانت الآمال تظل معقودة على أن انحناءة الجدار لن تستمر طويلا، وانه سيعاود الاعتدال، وسيقف قويا صلبا. والملايين من أبناء الشعب التي هدأت مؤقتا بانتظار تحقيق الآمال ستعاود الثورة بقوة أكبر من ذي قبل. وعندما يدق أبناء الشعب الكعب، فإن الارض ستهتز من تحت الأقدام، وسينفجر البركان صارخا بعزم وتصميم مع أبناء الأرض؛ أننا جاهزون وعاقدوا العزم على تحقيق ما بدأناه، وأن أحدا لن يستطيع مقاومة هذا المد الثوري، وستقف قوى الظلام عاجزة عن الصمود أمام ارادة الشعب التي ستحقق أمانيها وأحلامها، وإنْ كان الثمن باهظا.
ولكن السؤال الذي يدمي القلب؛ لماذا لا تتحقق آمالنا وأحلامنا إلا بدمائنا؟!
لك الله يا أرض الكنانة. لكم الله يا أبناء مصر.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف مصطفى صالح. جريدة الغد