في موروثنا الشعبي، ونحن من أكثر الأمم إيمانا بالموروث وتفسيراته وتأويلاته، مقولة مشهورة ترتبط بحياتنا اليومية ارتباطا وثيقا؛ "تفاءلوا بالخير تجدوه". نريد أن نتفاءل عملا بالمقولة واستبشارا بها علنا نجد الخير او نصفه او حتى جزءا منه، ولكن نظرة سريعة من حولنا تجعلنا نتساءل؛ هل هناك ما يبعث على التفاؤل.
لم يستقر الوضع في ليبيا بعد انتصار الثورة. وبرزت مشاكل وصدامات على السطح، والخلافات قائمة بين تكتلات الثوار، والحال ليس أفضل في مصر، وعاد المتظاهرون إلى ميدان التحرير، بعد أن شعروا بأن ثورتهم سرقت وأن إنجازهم التاريخي يتأرجح بين التقدم خطوة إلى الأمام، والتراجع خطوات إلى الخلف. وقد جوبهوا بقسوة، وتم فض اعتصامهم بالقوة، ووقعت إصابات بين صفوفهم. ولا يبدو أن الخلاف الناشئ حول مبادئ دستورية مقترحة سيجد طريقه إلى الحل لاتساع الفجوة بين أهداف واضعي المبادئ وأهداف المعتصمين.
نعاني في الدول العربية الصغيرة والفقيرة من أزمة الحريات وغياب الديمقراطية الحقيقية. ونعيش في مأزق الصراع الداخلي بين قوى الإصلاح وأعدائها، ومأزق العصبيات والجهويات. والأهم أننا نعاني الأمرّين من الأوضاع الاقتصادية التي تشتد وطأتها على عباد الله إلى درجة غياب الطبقة المتوسطة غيابا شبه كامل، واعتمادنا على المعونات القادمة من أميركا وأوروبا سيتوقف شئنا أم ابينا لأن هذه الدول أصبحت تعاني، وهي بحاجة إلى من يعينها. واقتصاد العالم يسير نحو الهاوية بخطى متسارعة، وأميركا سيدة العالم تعيش أزمة اقتصادية خانقة، وشبابها يحتلون شارع المال رمز السيطرة والتفوق، ليقينهم أن سبب مشاكلهم الحياتية ينطلق من هذه البؤرة التي سيطرت على الاقتصاد العالمي ثم عاثت فيه خرابا وتخريبا، الى درجة أن الدول الأوروبية الغنية بدأت تتهاوى واحدة تلو الأخرى، حتى وصل الخوف إلى حدود الامبراطورية البريطانية. ولم يشهد العالم انهيارا كهذا إلا في فترات الحروب الكونية.
هل نتفاءل .. وكيف؟! انها ليست نظرة سوداوية متشائمة، ولكنه الواقع الذي يجب أن نعي مكوناته وأن نتعامل معه بمنطق الأحداث، وأن نواجهه بمقولة أخرى غير تلك التي اعتدنا عليها في موروثنا الشعبي.
إن مفكرا استراتيجيا مثل زبغينيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس جيمي كارتر تنبأ بما يحدث اليوم في كتابه "الفوضى عند مشارف القرن الحادي والعشرين" الصادر عام 1986. لقد تنبأ بالشكل الجيوسياسي والمذهبي لعالم القرن الحادي والعشرين، والأهم انه كان واثقا في كتابه أن المنطقة العربية ستكون في وضع أقرب إلى المستعمرة الأميركية الغربية التي ستسعى إلى استنفاد مخزونات آبار النفط أولا، ثم جعلها تعتمد كليا على الصادرات الأميركية الأوروبية اليابانية. ويستبعد في كتابه اي دور عربي فاعل على الصعيد العالمي. والعودة الى كتاب بريجنسكي تجعلنا نتساءل حول ما يجري. ليس في العالم العربي فقط، بل وفي العالم بأسره؛ هل هو نتيجة تخطيط مسبق، وقد جاء أوان التنفيذ .
وبعد؛ هل نتفاءل؟
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف مصطفى صالح. جريدة الغد