كان واضحا من لقاء جلالة الملك عبدالله الثاني، مع الصحفية البريطانية دوسيت، أن خطورة الوضع في سورية لا تكمن فقط في تنحي الرئيس السوري بشار الأسد او عدم تنحيه، ولكن الخطورة الحقيقية تكمن في من سيخلف الرئيس، وهل الخليفة المحتمل لديه القدرة على تغيير الوضع أم لا، وهل يعي هذا الشخص ان العالم قد تغير، وأن عليه أن يسير في ركاب العالم الجديد.
لقد دأبت الأنظمة العربية على مبدأ عرض الرجل الواحد في الحكم، واستعراضه على مدى سنين طويلة لفنونه في السلطة والتسلط، وعدم إفساحه المجال أمام غيره لممارسة أي نوع من التشارك، سوى ذلك الذي يرسمه له وبمقدار معين لا يحيد عنه أو يتعداه. ومن هنا فإن الرجل الاول دائما ما أبعد الكفاءات من حوله، واستبعد الأقوياء، حتى لا يفكر أحد منهم بمنافسته في المستقبل، ولو مجرد التفكير، فباتت السلطة فارغة، ومفرغة من رجال السياسة الحقيقيين، ومن العسكريين الأكفاء، ومن كل من يمكن أن يكون قياديا صالحا في المستقبل. وعند حدوث الأزمات، كان السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان على الفور؛ من سيأتي للحكم، وهل هو قادر؟ وأصبح الخوف من الفراغ السياسي والفوضى القادمة من أهم معوقات التغيير، ومن أشد الأسباب التي تدعو إلى التفكير.
لقد اعتمد النظام في سورية على عرض الرجل الواحد منذ السبعينيات من القرن الماضي. وتم توريثه ليستمر على نفس النسق من تفريغ الدولة من الكفاءات لضمان كرسي الحكم ومواليه من الاتباع، ولتظهر الدولة كلها وكأنها لم تنجب شخصا واحدا قادرا على الحكم غير شخص الرئيس وكل من حوله مجرد "ديكورات" ثابتة ومتغيرة من أجل جمالية المشهد وتعبئة الفراغ في الصورة.
والسؤال المقلق والمطروح الآن اذا تغير الرئيس بإرادته أم بغيرها هل سيتغير النظام، وهل تتبدل الامور بتغيير الفرد الحاكم؟ فهذا إرث امتد لسنوات طويلة زرعت فيها مراكز القوى، التي تعمل ضد أي تغيير وتقاومه بالحديد والنار والدماء، أوتادا لها في عمق الارض، ولن تسمح بخلعها حتى لو اقتلعت جذور الشعب بكامله.
جلالة الملك كان واضحا في المقابلة الصحفية عندما أبدى مخاوفه من هذا الوضع بقوله: إننا نخدع أنفسنا إذا فكرنا أن الامور ستتغير بشكل جذري إذا تم تغيير شخص واحد.
الوضع في سورية يسير إلى التغيير لا محالة، وآخر حصون النظام بدأت بالسقوط عندما استقبل وزير الخارجية الروسي وفدا من المعارضة السورية، وعندما رفضت الجامعة العربية الطلب الرسمي السوري بعقد قمة عربية لعدم جدواها. ولكن يبدو أن عملية التغيير تسير على درب ليست سالكة الا بصعوبة بالغة، وعلى جثث الشهداء ووقودها دماء الأبرياء، ولكن الليل له آخر.. والنور لا بد أن يعقب الظلام.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف مصطفى صالح. جريدة الغد