الوقفة التضامنية التي وقفها الجسم الاعلامي مع "الغد"، بكل وسائله من الصحف اليومية والمواقع الالكترونية وعلى رأسها نقابة الصحفيين، لم تسعدنا بقدر ما منحتنا الثقة بأنفسنا وعملنا وبأننا نسير على الدرب الصحيح، وأعطتنا الإحساس بأن الاعتداء على الحريات الإعلامية مرفوض ولن يسكت عنه أحد، ولن يتهاون الإعلاميون في الدفاع عن مبدئهم الأساسي في مهنتهم التي هي أحد ركائز المجتمع الديمقراطي المتحضر.
ما حدث لصحيفة "الغد" من اعتداء بربري، لم يكن اعتداء على "الغد" كمبنى أو صحيفة، إنما هو اعتداء على الأمن الاجتماعي والسلم الأهلي، ومحاولة منع الصحيفة من التوزيع والاعتداء على أحد العاملين فيها، ليس إلا حلقة من حلقات زعزعة الاستقرار المجتمعي وخلق حالة من عدم التوازن بين فئات المجتمع.
ما حدث، يجعلك تقف عاجزا عن وصف شعورك والإحساس الذي ينتابك ويستولي على كل حواسك، عندما تسمع أصواتا تصرخ بلا خوف أو وجل "إحنا الدولة"، وتسأل نفسك ومن حولك بألم؛ إذا كانوا "هم" الدولة، فأين الدولة،ومن نكون نحن باقي خلق الله، وعلى أي أساس وأي قاعدة استندوا حينما قسموا الناس وصنفوهم "إحنا" وغير "إحنا" وكيف أعطوا لأنفسهم الحق بهذه الصفة وانتزعوها من الآخرين؟
هل نحتاج إلى علماء نفس وخبراء في علم الاجتماع كي يفسروا لنا ماذا تعني هذه العبارة، وكيف يجرؤ من يصرخ بها على الاستقواء على الدولة وعلى غيره من أبناء المجتمع، ويستبيح مشاعر الآخرين ويستهين بسلطة الدولة وينصب نفسه واليا ووليا عليهما، أم ان هذه الحالة لا تستدعي الشرح والتفسير، ولا تحتاج إلا إلى الدعاء لرب العالمين أن يحمي الوطن من هذه الظواهر المدمرة.
لقد نسي هؤلاء أو تناسوا أننا نعيش في دولة يحكمها القانون، ونسوا أو تناسوا أن لدينا سلطة قضائية تنصف المظلوم وتعطي الحق لأصحاب الحق، ولا ترهبها المقولة الناشزة "إحنا"، وأن لدينا منظومة أمنية لا تتعامل مع المواطنين إلا وفق مفهوم واحد، أساسه لا أحد فوق سلطة القانون، ولا دولة إلا الدولة. ومع أنني أسجل هنا سرعة تجاوب الأمن العام وحماية مبنى الصحيفة من خلال دوريات عديدة رابطت أمام الصحيفة، إلا أنني أتساءل، وقد يحتاج السؤال إلى جواب مهما كان، لماذا لم يتدخل رجال الدوريات ويمنعوا المهاجمين من إغلاق باب الصحيفة، ولماذا وقفوا متفرجين وأعطوهم الفرصة لإظهار قوتهم؟
إننا في "الغد"، كمؤسسة إعلامية وصحيفة وطن، نؤكد أننا لا نتعامل مع أحد وفق أجندة خاصة، ونؤكد أننا نحترم هذه العائلة ونقدرها، ونرتبط بعلاقة صداقة شخصية وثقافية وفكرية مع عدد من أبنائها المستنيرين، ولن يؤثر هذا السلوك من نفر غير مسؤول على صلاتنا الودية معهم، وقد رأينا منهم ما يثلج الصدر وما يؤكد أن ما حدث لن يغير أو يبدل بشأن هذه العلاقة، ونؤكد للجميع بأننا ماضون في سياستنا بقول الحقيقة والدفاع عن الحق، ولن يرهبنا أو يرعبنا أي سلوك ناشز، وسنستمر في متابعة كل الملفات التي بدأناها وأزعجت من لا يحبون الحق.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف مصطفى صالح. جريدة الغد