يرقص الطائر الذبيح من الألم عندما تحز السكين رقبته، ويغني شباب الثورة السورية اسكابا يا دموع العين..اسكابا. دماؤهم تنزف في شوارع المدن والأرياف وحاراتها وازقتها. وأرواحهم تفيض الى خالقها، شاكية ظلم ذوي القربى الاشد مضاضة، وصمت العالم المتحضر وغير المتحضر.
يغنون من الألم. والرصاص يمزق اجسادهم كطائر الشوك الذي يستمر في غنائه والشوك ينغرز في لحمه الطري، ودماؤه تنزف حتى آخر قطرة، ولا يصمت الا حين يصبح جثة هامدة.
وبعد أن وافق النظام السوري على المبادرة العربية، بدون تحفظ ارتفعت وتيرة العنف وازداد القتل بدون رادع، أو وازع، لا فرق بين طفل أو رجل أو امرأة، وحبر المبادرة لم يجف بعد. ورغم الاشارات الواضحة التي صدرت عن مسؤولين صينيين وآخرين من روسيا عن ضرورة ايقاف العنف وفتح ابواب الحوار، وهما الدولتان المؤيدتان للنظام والمعارضتان لايقاع أي عقوبات عليه، الا انها لم تأت بأي نتيجة تذكر، ربما لإدراك النظام بعدم جديتها وإنما هي للاستهلاك الاعلامي ولإثبات الوجود ليس إلا.
ليل سورية طويل، طويل. والعالم لا يبدو أنه على عجلة من أمره لإيقاف نزف الدم، فالبلاد لا تمتلك ثروات نفطية كليبيا، ليتسارعوا الى الاستفادة منها، وإسرائيل المدللة الأزلية آمنة، لا تعاني من أي خطر على حدودها. وكما أعلن فنان سورية الأول دريد لحام، أن مهمة الجيش السوري ليست استعادة الجولان المحتل، وإنما الحفاظ على السلم الأهلي.
يدرك النظام جيداً أن المتظاهرين لن يتوقفوا عن الخروج الي الشوارع، حتى تتحقق مطالبهم بالحصول على الحرية والكرامة والحياة التي يحلمون بها، ويجب أن يحصلوا عليها كبقية خلق الله في ارجاء المعمورة.
وهوغير مستعد لاعطائهم أدنى حقوقهم. وكما قال الرئيس الاسد في حواره مع الصحفي البريطاني قبل ايام، اني لا اريد ان اضيع وقتي، فهم لا يريدون شيئاً غير رحيلي. ومن الواضح انه غير مستعد للرحيل، ولو فني الشعب بأكمله حتى الاجنة في ارحام امهاتها. ويدرك المتظاهرون جيداً أنهم لا يستطيعون التوقف او التراجع، لأنهم اذا توقفوا فانهم سوف يرون نجوم الظهيرة في عز الليل، ونجوم الليل في وضح النهار، او حتى يلمسوا اشعة الشمس بأيديهم ليحترقوا بنيرانها قبل أن يرى جلادوهم نار الآخرة.
يدرك المتظاهرون أن الثقة مفقودة بين الثائرين والنظام وأنها لن تعود بعد سيل الدماء التي نزفت في طول البلاد وعرضها. وندرك جميعاً في طول الوطن العربي وعرضه أن فشل المبادرة العربية واستمرار العنف والقتل سيكون كارثياً كما قال أمين عام الجامعة العربية، لان الثورة الشعبية لن تستمر سلمية، اذا ما استمرت الآلة العسكرية في عملها الدموي والمؤشرات الخطرة بدأت بالظهور على ان الثورة لا يمكن ان تستمر سلمية.
من المؤكد ان الليل السوري طويل، ومن الواضح أن طائر الشوك سيظل يغني ودماؤه تنزف، ولكن الدموع التي انسكبت واختلطت بالدماء النازفة سيكون لها ثمن؛ إنه ثمن الحرية التي ستأتي في يوم ما وان كان غالياً، وإن كان الزمن بعيدا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف مصطفى صالح. جريدة الغد