لا تسير الحياة بدون أسرار، وتفقد نكهتها إذا خلت منها، ويظل التشويق محيطا بها إلى أن تنكشف، فتبدو صغيرة، واحيانا مثيرة للسخرية. ولكن السر الذي يربط بين الكرسي ومن يجلس عليه، عميق الأغوار يصعب تفسيره وتحليله، وعلى مر التاريخ والعصور، كان هذا السر موجودا وبأشكال مختلفة. تطور وتنوع بتطور الزمن، وتطور صناعة الكراسي، واختلاف الأنماط البشرية التي تجلس عليه. وقد يصل السر بين الكرسي وصاحبه إلى درجة العشق الذي يقتل صاحبه ويدمر مَنْ حوله من بشر وحجر وشجر.
السر الذي ربط بين الرئيس الليبي وكرسيه، سواء في خيامه الفارهة، أو قصوره المترفة، لم يبح بكل تفاصيله، فقد كان بإمكان العقيد، أن يعقد صفقة، ويرحل مع عائلته وأعوانه وملياراته التي سطا عليها من حقوق الشعب الليبي، وقوت أبنائه، وكدسها في البنوك الأجنبية، وأن يذهب للعيش في إحدى الدول الأفريقية أو الأميركية الجنوبية أو حتى الأوروبية. وأصدقاؤه من أصحاب المصالح كثيرون هناك، كسلاطين الف ليلة وليلة، لكن السر الذي يربطه بالكرسي، دفعه لاستخدام آلة القتل لتفتك بأبناء شعبه، بدون أن يرمش له جفن، وأن يدمر بلده ويضعها في أتون حرب طاحنة بين الأهل والأقرباء، لا يعلم إلا الله متى ستنتهي، وما هي التبعات التي ستترتب عليها، وكم من الزمن سيعاني الشعب من آثارها الاجتماعية.
الرئيس اليمني؛ كاد سر الكرسي أن يودي بحياته حينما تعرض لمحاولة اغتيال، نجا منها بأعجوبة، واحتاج إلى العلاج خارج الديار لأشهر طويلة. وبدل أن يفك ارتباطه بالسر ويعلن عنه، عاد بشهية مفتوحة للمقارعة واستخدام الأسلحة ضد شعبه، إلى درجة أن البلاد أصبحت على حافة حرب أهلية. والوضع في اليمن يختلف عن الدول الأخرى لأن ابناء القبائل مسلحون، ولا يسكتون على الظلم اذا شعروا به. واللافت أنه كلما ازداد رفض الشعب له ومطالبته بالرحيل ازداد تمسكه بالكرسي، وتمسك الكرسي به. إنه السر الكامن بين الاثنين، ويبدو أنه زواج لا يعقبه طلاق أو فراق. ورغم أن اليمن لا ينعم بالخيرات والثروات التي تنعم بها ليبيا، إلا أن السر بين كرسي الغني والأقل غنى يبدو متشابها إلى حد بعيد، بل يكاد يكون متطابقا.
في سورية، يلبس هذا السر الرهيب ثوبا أحمر داميا إلى درجة أنه ينقل احمرار الأرض إلى السماء، ليصطبغ المشهد كله بهذا اللون ويقفز السر فوق كل الأعراف ويتخطى كل التقاليد والأخلاق، وحين يتعدى الأمر قتل الرجال، وهو أمر مألوف في الوطن العربي، إلى قتل النساء والأطفال ومشيعي الجنازات، يصبح السر أكثر بشاعة من حرب كونية. ومشهد الفتى الجميل الشيباني، الذي مزقت رصاصة صدره وهو برعم لم يتفتح بعد، ولم يقبل على الدنيا أو تقبل عليه، مشهد يدمي القلب؛ فهذا البرعم الصغير، فارق الحياة بدون أن يعرف ماذا يجري حوله، وأغلب الظن ان عقله الصغير لم يستوعب كل ما يجري.
الأسرار بطبيعتها غامضة، ولكن سر الكرسي واضح، ولشدة وضوحه يبدو مستعصيا على الفهم. وإلى أن يبوح الكرسي بتفاصيل السر، ستظل أنهار الدماء تسيل لتروي الأرض العطشى للحرية والكرامة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف مصطفى صالح. جريدة الغد