ينادي الحراكيون في العاصمة عمان ومختلف المحافظات ضمن ما ينادون به، وضمن أولوياتهم في حراكهم الذي بات أسبوعيا تقريبا بمحاربة الفساد، وهو عنوان عام واسع فضفاض، وقد أصبح شعارا ثابتا في كل الحراكات والمظاهرات والتجمعات.
ليس هناك من يرضى بالفساد أو يقبل به تحت أي ظرف من الظروف، وليس هناك مواطن صالح يقبل بأن يكون الفساد عائقا أمام تنمية المجتمع وتقدمه.
وليس هناك من صاحب ضمير يرضى بأن يكون الفساد عنوانا لمجتمعه، أو حياته أو أن يدخل في أي جزء من مسيرة حياته وحياة أبنائه وعائلته، ولكن عن أي فساد نتحدث ويتحدثون؟ وأي فساد يجب أن ننادي بمحاربته واجتثاثه من جذوره؟
إن الفساد المالي الذي وضع تحت مجهر الإعلام وكاميرات التلفزيون لأسباب مختلفة.. فساد يظل محصورا بعدد قليل من الأشخاص يتم كشفهم ومحاسبتهم أمام القانون، ويخضعون لأحكام القضاء وينالون الجزاء المستحق، ويبقى خطرهم على المجتمع محدودا بحجم خطيئتهم.
ولكن الفساد الحقيقي والأخطر الذي يهدد نسيج المجتمع ولحمته ونماءه وتقدمه هو الفساد الذي نمارسه يومياً ويتم تحت أنظار الجميع ونغض الطرف عنه بدون أن ندرك حجم خطورته.
إنه الفساد الأخلاقي الذي يبدو صغيرا في نظرنا والممارسات اليومية التي لا نأبه لها ولكن تبعاتها ونتائجها هي الأخطر على المجتمع.
إن الشاب الذي يقود سيارته مخالفاً لكل قواعد السير، غير عابئ بما يفعل، معتمدا على أصله وحسبه ونسبه، وأنه فوق القانون ولا أحد يجرؤ على محاسبته، وهذا مشهد أصبح مألوفا، فاسد وكل من يتستر عليه يندرج تحت هذا المسمى.
إن الموظف الذي لا يسهل أمور المواطن إلا اذا تم إرضاؤه، فاسد. والمواطن الذي يتعاون معه يندرج تحت هذا اللقب. والموظف الذي ينسلّ من عمله او يتأخر عنه فاسد.
إن التاجر - أي تاجر - الذي يرفع أسعار تجارته بمناسبة وبغير مناسبة مستغلاً انفتاح السوق وغياب الرقابة، فاسد. ومن لا يعارضه أو يعترض على سلوكه أكثر فسادا منه.
التجمعات الفئوية والجهوية، أيا كانت، والتي تنعقد هنا وهناك وينادي المجتمعون من خلالها بتوزيع البلد إلى شمال وجنوب وشرق وغرب، بدون وازع من ضمير أو إحساس بالمسؤولية الوطنية والقومية، فاسدون فكريا وثقافيا واخلاقيا.
فساد المال ليس هو الأخطر على المجتمع، ولكنه فساد الأخلاق الذي يتسبب في كل أنواع الفساد الأخرى، هو الذي يهدد نسيج المجتمع، ويشكل الخطر الحقيقي على استمراره بالحياة.
إن مكافحة الفساد، ليست شعارا تنطق به الحناجر، ولكنها ممارسة حياتية يومية يجب أن يلتزم بها الجميع، ويجب أن نبدأها بأنفسنا مهما صغر حجم الممارسة، فإنها الطريق الصحيح لتقويم أنفسنا وتصحيح مسيرتنا. وإذا أصبحت عادة نكون قد بدأنا بالإصلاح الحقيقي.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف مصطفى صالح. جريدة الغد