بعيدا عن كل ما يحدث في سورية ومجازرها المؤلمة، والقصص المرعبة عن تعذيب الصغار والكبار، وليبيا ومآسيها وحربها التي لم تنته بعد، واليمن وكوارثها؛ فهذه أخبار تعوّد عليها المواطن العربي، واعتاد سماع ومشاهدة التعليقات عليها ليلا ونهارا، وانفعل معها سلبا وايجابا حتى كاد يصاب بجلطات دموية تفقده حياته.
بعيدا عن مأزق الحريات في الوطن العربي، والحركات الشبابية وغير الشبابية، ومطالبها التي تبدأ بشيء، ثم تقفز إلى أشياء لا حدود لها ولا ضوابط، حتى يخال المرء أن هؤلاء المطالبين بها لا يريدون تحقيق شيء، عندما يرفعون سقف مطالبهم إلى حيث لا تطال أيديهم، ولا حتى في أحلامهم السعيدة.
بعيدا عن كل هذا، وجدت نفسي أغرق في التفكير في مأساة غريبة أطالعها، وأجد نفسي حانقا، كما أعتقد أن الكثيرين من القراء وجدوا أنفسهم كذلك؛ موت مايكل جاكسون.
لست آسفا على موته، وأعتقد أن الكثيرين مثلي لا يأسفون على فقدان رجل وصف بأنه منحرف، ولكن القضية هنا ليست موت الرجل إنما الاسباب والمسببات. ولأننا أناس نؤمن بأن الموت حق وأن الأعمار بيد الله وأن أجل الرجل قد انتهى، ولكن الظروف تدعونا إلى التساؤل والمقارنة، لكي نصل إلى استنتاج في النهاية، قد يعجب القارئ وقد يزيده حنقا واستياء.
ما بال رجل، مثل مايكل جاكسون وصل إلى قمة الشهرة، وأصبح النجم الأول في العالم، وامتلك ثروة بالملايين، ومشترياته الشهرية من أحد المتاجر وصلت إلى خمسين مليونا، وهي تحف ومقتنيات للزينة، وليست كمشتريات ابو محجوب صديق رسامنا الكاريكاتيري عماد حجاج، أرغفة خبز وحبات فلافل لإطعام الصغار. رجل بمثل هذه الشهرة، وهذا الغنى الفاحش، لا يستطيع النوم، وأغلب الظن أن صديقنا أبو محجوب ينام قرير العين إذا ما استطاع الحصول على قوت يومه، ولكي ينام يحتاج إلى طبيبه الخاص كي يعطيه حقن المخدر والمنوم، ومع ذلك لا يغفو حتى يختلس جرعات إضافية من المخدر تؤدي به إلى النوم الأبدي الذي لا صحوة منه.
لماذا لا ينام أصحاب الملايين، ما الذي يؤرق جفونهم، فقد بلغوا كل ما يريدون من مال ومجد وشهرة، ولا ينقصهم شيء حسب مفهوم الحياة المعاصرة، فلماذا يحتاجون الى المخدر كي ينعموا بإغفاءة بسيطة.
في فيلمه المدهش الوصول، من إخراج ايليا كازان، يحصل الممثل كيرك دوجلاس على كل ما يريد في الحياة الدنيا. الغنى والجاه والشهرة، ولم يعد هناك ما يصبو إليه او يريد تحقيقه، انطلق بسيارته الفارهة الصغيرة الحجم، وسط شاحنات ضخمة، وقادها بتهور عجيب، ليصطدم بشاحنة ويرتد الى أخرى، حتى اختفى بين عجلاتها.
قد يكون هذا المقال نوعا من الترف الفكري، ولكنه ضغط على صدري حتى خرجت كلماته رغما عني، فنحن ننام على حراك، ونصحو على حراك، ونسير وسط حراك، ويبدو أننا لن نستطيع النوم لأننا بحاجة إلى الإيمان بثوابتنا أولا، ولا نريد أن يصل المجتمع إلى حالة من عدم القدرة على النوم من كثرة الحراك.
لا نريد أن يصل الحراك إلى درجة الترف ويصبح عادة، نمارسها كما نمارس النوم.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف مصطفى صالح. جريدة الغد