عندما امتطى الملازم معمر القذافي دبابته مع رفاقه، وسار بها أمام قاعدة هويلس العسكرية وهي أكبر قاعدة عسكرية أميركية في العالم خارج حدود حلف الأطلسي، لينتهي حكم الملك إدريس السنوسي في مطلع أيلول (سبتمبر) العام 1969. لم يصدق العالم أن ضابطاً صغيراً في السن والرتبة، ينجح في قيادة انقلاب عسكري أمام أعين ضباط القاعدة الأميركية الشهيرة بدون أن يكون قد حصل على مباركة القاعدة وأصحابها، وحتى يخرج من إسار هذه الشبهة اختبأ تحت عباءة الزعيم المصري جمال عبدالناصر. ومنح نفسه رتبة عقيد تقليداً لرتبة عبدالناصر.
العقيد كان مسكوناً بجنون العظمة، ولم يجرؤ على إظهار جنونه، إلا بعد وفاة عبدالناصر المفاجئة العام 1970، فقام بتصفية رفاقه وإبعادهم عن مراكز السلطة، لينفرد حاكماً وحيداً.
كان يحلم بزعامة الأمة العربية بدون أن يملك شيئاً من مقومات الزعيم، فحاول أن يقيم وحدة عربية يكون هو رئيسها لكن أطماعه باءت بالفشل، ليس لأنه غير مؤهل فقط، أو لصعوبة تحقيق الحلم، ولكن أيضاً لوجود زعماء عرب كبار، لا يصلح أن يكون أكثر من تلميذ أمامهم.
وجرب تحقيق حلمه في شمال أفريقيا، فلم يكن حظه أحسن حالاً فانكفأ على نفسه لفترة قبل أن يعلن عن يأسه من العرب ويخرج من ثوب العروبة، ويقرر التوجه الى أفريقيا بانتمائه وولائه وزعامته التي ما فتئ يحلم بها. فارتدى الثياب الأفريقية المزركشة والملونة وحمل الصولجان وأعلن نفسه ملكا لملوك أفريقيا. مع أن القارة السمراء لا يوجد بها سوى مملكة المغرب وسوازيلاند.. لكنها تعج بملوك القبائل الذين يخضعون لسلطة حكوماتهم الجمهورية، ومناصبهم الملكية قبلية وليست سياسية. ولكن اللقب أرضى غرور العقيد، ولبى شيئاً من مطامح جنونه الذي لم يتوقف عند حد.
الطريف أن ملك الملوك، كان يعتقد أنه فريد عصره وأوانه.. كان يتلقى المجاملات من زعماء الدول الفقيرة على أمل أن يقدم لهم العون والمساعدة، ولكن لم يعرف عنه أنه ساعد دولة محتاجة، أو أنقذ شعباً يعاني من أزمة غذائية حد الموت، رغم أنه ينام على كومة هائلة من الثروة. كان يصم أذنيه ويغمض عينيه عن الكوارث التي تحل بالشعوب التي يريد أن يكون ملكاً عليها في الوقت الذي كان فيه أبناؤه ينفقون الأموال على ملذاتهم، أو شراء الأسهم في أندية كرة القدم، أو حتى شراء الشهادات الجامعية التي لا يحتاجون إليها.
جنون العقيد السياسي كان أشبه بمسرحيات كوميدية سوداء. تبكيك قبل أن تضحك. فهو يريد أن يبني مسجداً أقصى جديداً في مكان آخر، غير المسجد الأقصى حتى لا يظل الفلسطينيون يطالبون العرب بحمايته من الاعتداءات الصهيونية، وحتى يحل القضية الفلسطينية تفتقت عبقريته عن حل الدولة المشتركة "إسراطين" واتهم الفلسطينيين والإسرائيليين بالغباء لأنهم لم يكتشفوا هذا الحل.
جنون العقيد وإيمانه بعظمته التي لم يرها أحد غيره، جعله يعطي بلاده اسماً وهمياً "الجماهيرية العظمى" وعطل الوزارات والدوائر واستبدلها باللجان الثورية الشعبية التي أغرقت البلاد في أجواء من الفوضى والعبثية، لم تشهدها دولة غير جماهيرية العقيد، ومع أن ليبيا كان يمكن لها أن تكون شيئاً مهماً وتلعب دوراً كبيراً وتؤثر في الساحة الدولية، بما تملكه من ثروة نفطية وموقع جغرافي مميز على ساحل المتوسط، لو قيض الله لها زعيماً يمتلك القدرات العقلية، ويحترم شعبه بالمقام الأول ولا يصفهم بالجرذان ولا يريد مطاردتهم من بيت إلى بيت، ومن زنقة الى زنقة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف مصطفى صالح. جريدة الغد