ما كنّا ندري ان صوت فيروز الذي اطربنا وعشعش في وجداننا عبر كل مفاصل سنواتنا العمرية ، وقادنا الى عشيقاتنا حد اللمس ، والى امكنتنا الطفولية حد العناق ، انه يخضع هو الآخر الى حقوق الملكية واختام ورقة الطابو الفكرية.

و حينما كانت تقف على خشبة المسرح بتلك الأنفة التي تذكرك بنساء ملأن التاريخ حضوراً ، كنا نذهب معها في حبها الى وطنها لبنان يوم عز الحب ، أو وهي تنده على عشيق طفولتها شادي ، او حينما تدغدغ اسماعنا بصوتها الشدي وهي تبشرنا بعودة الشتوية ، او حينما تجعلنا نترنح عشقاً مع حنا السكران ، او وهي تعلن عن اشتياقها لجدتها ، او حين تربط ورق اشجار ايلول المتساقط بالحبيب الذي ضاع في زحمة الفصول.

ما كناّ ندري ان لفيروز المنتصبة كتمثال احضر للتو من معبد بعنفوانه الحجري جاعلاً العشاق والمحبين يحاولون الاتحاد مع تلك الحنجرة التي تخصب النداءات والآهات بكل هذا الحنو ، الذي كان يجعل صباحاتنا تزداد بهاء وبهجة ، هي في النهاية من الملكيات العائلية التي يمكن ان تخضع لقوانين الورثة واقتسام الاغنية وتوزيع ريع صوتها على الورثة.

كنّا نعتقد ان فيروز التي انقذت الاغنية العربية ومنذ امد بعيد من الترهات التي وقعت فيها الاغنية العربية ، والتي ارتقت بصوتها الاوبرالي وهي تثقف نطق الكلمة وتثقف لحنها بالاداء الدافىء الذي يتسرب الى القلب والوجدان بذاك الحنو العميق.

كنّا نعتقد ان فيروز اكبر من ان تقع في فخ الورثة الذين اوقفوا حفلها في القاهرة مؤخراً. وكنّا نعتقد ايضاً بأن الاغداق الذي تمثلت به العائلة الرحبانية من خلال صوت فيروز ، هو اكبر بكثير من اقتسام التركة ، واكبر من شغب الورثة.

كنّا نعتقد ان عائلة لديها كل هذه العبقرية في الفن والغناء عموماً هي قادرة بالتأكيد على تقسيم التركة بعيداً عن كل هذه التداعيات التي أوقفت حفلها في القاهرة ، وجعلت العديد من عشاق صوت فيروز يعتصمون امام المتحف الوطني اللبناني ، وفي المواقع الالكترونية ، معلنيين عن تضامنهم مع فيروز وصوتها.

ان ما حدث للفنانة فيروز سوف يجعلنا وكلما استمعنا اليها ان يخدش طربنا وتجلينا مع صباحات صوتها بضجة الورثة. وهذا هو البؤس بعينه.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور