ضجة وأحاديث ومطالبات كلها تصاحب بدء تطبيق قانون صندوق دعم الثقافة, ونسمع من رئيس مجلس النواب تراجعا عن موقف المجلس الذي أقر القانون, وهناك توجه متعاطف مع الصحف من عشرات السادة النواب الذين يطالبون بإدراج تعديل للقانون على الدورة الاستثنائية القادمة.
وهذه القضية يفترض التعامل معها بمعادلة قانونية جديدة، لأن هناك وراء كل بعد من أبعادها أمرا يستحق الاهتمام، فالصحف في معظمها لا تحقق ربحا ماليا، وبعض التي تربح تكون أرباحها من مطابعها التجارية، بل إن هناك صحفا تعاني من خسائر مالية متراكمة، وهناك صحف ماتزال ناشئة تحاول بكل السبل الحصول على كمية معقولة من الإعلانات، أي أنها لا تحتمل أن تدفع النسبة التي قررها القانون، وربما يكون تطبيق القانون سببا آخر في زيادة خسائرها وإعاقتها عن التطور والاستمرار.
والثقافة أيضا تحتاج الى دعم كبير، والثقافة ليست وزارة الثقافة بل الحالة الثقافية في الأردن. وهنا نتحدث عن كل أبعاد الثقافة التي هي هوية الدولة وتاريخها وعقل شبابها وعملية الإبداع، والثقافة ليست الشعر والقصص والمسرحيات فقط بل هي الإطار الشامل لمضمون المواطن.
وعلينا أن نعترف أن الثقافة في الأردن شأن مهمل، وحتى وزارة الثقافة فقد كانت أحيانا كثيرة حقيبة ترضية أو لإكمال النصاب الجغرافي لأي فريق وزاري، فالوزارة حالة إدارية تحتاج الى إنقاذ.
لكن الوزارة ليست الثقافة، والصندوق ليس لدعم الوزارة، بل لدعم الثقافة، فنحن نشكو مثلا أن تاريخا مهما من مراحل الدولة لم يجد توثيقا ونشكو أن أجيالنا لم تشاهد عملا دراميا قويا يقدم للأردنيين ولشبابنا معركة الكرامة أو غيرها من المحطات المضيئة ونشكو أن مبدعينا لا يجدون العون ولا الطريق الذي يحفظ لهم إبداعهم, لهذا فالثقافة قضية الدولة.
هل نحن أمام خيارين، إما دعم الثقافة على حساب الصحف ووسائل الإعلام التي تعاني معظمها من أوضاع مالية صعبة أو التخلي عن المشروع المهم بإنشاء صندوق لدعم الثقافة؟
الجواب واضح أننا بحاجة الى معادلة تجنب وسائل الإعلام العبء الكامل في دعم الصندوق، وتحفظ لفكرة دعم الثقافة وجودها، ولهذا فإذا كان حديث رئيس مجلس النواب جادا في اعتباره القانون الحالي مجحفا فإن الحل أن يستجيب بشكل عملي للمذكرة التي وقعها عشرات النواب ولمطالب الصحف وأن يجري وضع تعديلات على قانون الصندوق بشراكة كاملة مع وزارة الثقافة وقطاعات الثقافة بحيث نحفظ لفكرة الصندوق وجودها ونزيل الإجحاف عن الصحف.
ربما يكون الحل البحث عن موارد جديدة للصندوق أو تخفيض النسبة الحالية أو إدخال قطاعات مالية وتجارية أخرى في عملية التمويل أو أي خيارات أخرى لكن المهم أن نزيل الإجحاف عن الصحف لكن من دون أن يكون الثمن هدر فكرة صندوق دعم الثقافة.
وما دمنا في الحديث عن الصندوق، فإن هناك مخاوف مشروعة لدى كل معني بالثقافة كمفهوم وطني وإبداعي بأن يأتي الصندوق ولا يأتي دعم الثقافة، وهذا الخوف ليس عدم ثقة بالجهة المشرفة على إدارة الأمر، بل محصلة تجارب سابقة في قطاع الثقافة وغيره. فالتمويل ليس هو العائق الوحيد على أهميته، بل إدارة الأمر وإعادة بناء الحالة الثقافية بإطارها الوطني الشامل، وبما تعنيه من هوية للدولة والمجتمع وللمواطن الأردني.
مرة أخرى نتمنى أن يكون الحراك الإيجابي حول الصندوق بنهايات سعيدة بحيث لا يضيع الصندوق كفكرة إيجابية ولا نحمل الصحف أعباء مالية تؤدي الى التأثير السلبي عليها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   صحافة  سميح المعايطة