ياللأسف ما كنّا نعتقد ان الحياة ممكن ان تأخذنا الى كل هذا العماء الاجتماعي المطلسم ، ما كنّا نعتقد أن خساراتنا الحياتية سوف تكبر متدحرجة مع اعمارنا مثل كرة الثلج.
ياللأسف ما كنا نعتقد ان اعمامنا الذين أخذهم الموت الواحد تلو الآخر سوف يفقدون حضورهم الذي كان يولد الضجة في بيوتنا ، وهم يمنحون هرج الرجال طعم الضجة الصوتية الممتزجة بالسعال ورائحة دخان الهيشي وتفقد الأبناء والأحفاد وايقاظ ذاكرة البلاد التي نهبت واحتلت بغمضة عين ، ومراقبة صبايا العائلة اللواتي كبرن وصرن على ابواب الزواج. ومقارعة السهر بالكلام وبالتعبير عن حكمة الرجال حتى بزوغ الصباح.
ياللأسف ماعادت بيوتنا تضج بحضور كل هؤلاء الذين كانوا يمنحونا ذاك الطعم الطيب والنادر للحياة بحنان منقطع النظير.
يا للأسف لم يعد هناك لدينا امهات لبونات يوقظن الصباح بالدعاءات التي تحرس ايامنا الشقية في الازقة والحارات والشوارع ، وما عادت اصواتهن تصدح بالميجنا والعتابا والنداء على الجارات كي يتجمعن في حلقاتهن الدائرية في حوش الدار وهنّ يتغامزن على اسرار يصعب البوح بها امام الاطفال الذين كانوا يسرقون همسهن وكلامهن.
يا للأسف لم تعد لنا حارات توزعنا الى بقال الحي الذي كان يجلس عند بوابة الحارة كتمثال ابدي بانتظار فك قبضاتنا الصغيرة عن القروش التي تعرقت في يدينا كي يعطينا الحلوى وطعم تلك الصداقة بين البقال واولاد الحي.
لم نعد نمتلك تلك السلطة على الطرقات النحيلة والصغيرة المتعرجة التي تنحني وتتمايل حتى تصل الى عتبة مزيونة الحارة الصبية التي كانت تخلع قلوب أولاد الحارة من جذورها كي توزعهم بغمزة عين عفوية نحو احلامهم العصية على امتلاكها او الاقتراب منها.
يا للأسف فقدنا المساحة الترابية التي كانت تمنحنا في كل يوم امكانية اللعب بكرة الشرايط ، او بباقي الألعاب التي كانت تجعل اجسادنا تتقافز كنبت شيطاني فوق تلك المساحة الترابية ، وفقدنا ايضاً طعم ذاك العرق الصبياني الذي كانت تفرزه اجسادنا.
يا للأسف فقدنا تلك الحوانيت المتلاصقة والممتدة في الأسواق البسيطة وهي تاركة بضائعها تتدلى وتتكوم امامها بطريقة توقظ دائما شهية الشراء. فقدنا تلك الزحمة البريئة في التسوق.
يا للأسف فقدنا ذاكرة كاملة ، ولهذا نظل كلما تقدمنا في اعمارنا المقترحة نترحم على زمن جميل ، مازال له طعم البهاء في الحنين والتذكر.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور