يشهد العالم اختلالات مذهلة في مختلف النواحي، ترتبط مع بعضها بروابط وثيقة. ويؤدي أحدها إلى الآخر عبر منافذ متعددة. وكل الاختلالات التي سنتحدث عنها تؤدي حتما الى الاختلال الأكبر وهو الاختلال الأخلاقي.
الاختلال المالي - والمال سبب كل المصائب- أفرز أزمة اقتصادية عالمية أمسكت برقاب العباد، في الدول الغنية والفقيرة على حد سواء، مع الاختلاف في حجم التأثير والنتائج بين منظومة وأخرى. فالدول الأوروبية تسعى جاهدة لإنقاذ دول منظومتها التي عانت من الأزمة وارتفعت مديونيتها إلى أضعاف دخلها القومي، للحفاظ على وحدتها الاقتصادية والمحافظة على رفاهية شعوبها. والدول الفقيرة في آسيا وافريقيا تسعى جاهدة، لكي توفر الحد الأدنى من سبل الحياة لشعوبها، وأميركا التي تسببت بالأزمة أصلا، وهي التي تسيطر على منابع البترول في معظم أنحاء العالم وتسيطر على الجزء الأكبر من الصناعات العسكرية، تخوض صراعا سياسيا بين الحزبين الكبيرين بدون الالتفات إلى مصائر الأمم الصغيرة.
الاختلال السياسي في العالم، أفقد الشعوب الصغيرة ثقتها بالمستقبل وهي تشاهد الدول الكبرى توافق على شيء في مكان، وترفضه في مكان آخر، وتتردد في قبوله في مكان ثالث. والتردد أو القبول مرتبط بمصالحها التي لا تقيم وزنا لمصالح الشعوب. واختلال المواقف من الحريات والديمقراطيات، أدى الى زعزعة ثقة الشعوب الصغيرة. فقد سارعت الدول الكبرى إلى تأييد الثورات الشعبية في تونس ومصر، ولكنها تقف مترددة أمام ما يحدث في ليبيا واليمن وسورية.
الاختلال الأخلاقي، هو الوعاء الذي تصب فيه كل الاختلالات الاخرى، والذي يؤدي الى اختفاء القيم وانعدام الضمائر ويهدد ثقة العالم بعضه ببعض؛ فهذه إسرائيل تعيث فسادا في الأراضي الفلسطينية وتفرض حصارا على قطاع غزة، يهدد أهلها بالجوع والمرض بدون رادع أو وازع، وبدون أن تتعرض إلى أي نوع من الضغوط، أو حتى المساءلة أو اللوم من الدول التي تدّعي حمايتها للأخلاق والحريات وحرصها على مستقبل السلام.
الاختلال الفكري، وهو الأخطر على مستقبل البشرية، ومستقبل العلاقات بين العالم شرقه وغربه، والذي يؤجج الصراع بين حضاراته وأديانه؛ فهذا التعصب الديني وصل إلى درجة غير مسبوقة من التطرف الأعمى، وكان أحد إفرازاته مذبحة النرويج التي ارتكبها شخص واحد، وضع الدول الاوروبية في حالة من التوتر والخوف، والترقب والبحث عن خلايا وتنظيمات إرهابية متطرفة، مرتبطة بالأصولية المسيحية التي خلقها الإعلام الغربي وعلى رأسه الأميركي، عندما عملت آلته الضخمة، بتوافق وانسجام على خلق العدو الوهمي للغرب، وجعلت من الإسلام الخطر الأكبر القادم الذي يهدد مدنيته وحضارته ووجوده، وقد يصبح من الصعب إيقاف هذا الخطر الجديد الذي سيحرق الاخضر واليابس، ويجعل من اختلاف الحضارات صراعا دائما يستمر إلى سنين طويلة وربما إلى ما لا نهاية.
لقد زرعت آلة الدعاية الضخمة، التي تسيطر عليها الصهيونية سيطرة شبه كاملة، هذا الاختلال الرهيب وخلقت أصولية متشددة ترعاه في كل خطواته وترسم له طريقه بدون الاهتمام بالخطر الذي سيحيق بمستقبل العالم، تنفيذا لمصالحها الخاصة.
إنها اختلالات مترابطة متشابكة، منافذها مفتوحة على بعضها بعضا، وستؤدي جميعها إلى بلوغ البشرية عتبة الإفلاس الأخلاقي، وهو أخطر أنواع الإفلاس الذي يهدد مستقبل العالم.
في كتابه المدهش اختلال العالم، يستهل الكاتب اللبناني أمين معلوف بجملة قصيرة تختصر مأساتنا اليوم: "لقد دخلنا القرن الجديد بلا بوصلة".
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف مصطفى صالح. جريدة الغد