القراءة والكتابة هما الحد الأدنى من الشروط التي يجب ان تتوافر للشخص الذي يتقدم لأي موقع، وهما ايضا شرط اساسي للمؤسسات والدول. فالحكومة التي لا تقرأ ولا تكتب لديها مشكلة في مسارها لأنها في المحصلة حكومة اجرائية تعتمد بشكل اساسي على تمرير الأيام والمراحل من دون ان تبني لها ذاكرة او "مطبخ تفكير" يقرأ كثيرا قبل ان يتخذ كل خطوة حتى لو كانت صغيرة.
في مراحل سابقة كان بعض العاملين في حقل الدراسات يقولون ان المسؤولين لا يقرؤون ورقا، ولا يتوقفون عند الدراسات والآراء الاستراتيجية والاستطلاعات، وربما يلفت انتباههم خبر اكثر من دراسة، والحديث هنا ليس عن اشخاص بل عن مسار، ولا ندري دقة هذا الوصف لكن ما نعلمه ان طبقات المسؤولين يتابعون ما يخصهم في الإعلام من صحف ومواقع إلكترونية وأسبوعيات، وربما لو سمع البعض ان خبرا يخصه على مجلة حائط في مدرسة لما تردد في طلبها، لكن هذا جزء من العقلية الاجرائية اليومية، وتختلف عن القراءة في القضايا العميقة والاستراتيجية.
وإذا تركنا القراءة فإن الكتابة شرط مهمل ايضا. وأتحدث هنا عن التوثيق ووجود وثائق سياسية ليست من العصر العباسي بل منذ تسعين عاما فقط، ولعل قضية الرد على هيكل فتحت الباب امام بحث ملف مهم وهو هل لدى الدولة الاردنية وثائق سياسية وغير سياسية وتوثيق للمراحل المهمة، بل كل محطات عمل الدولة في علاقاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية والخارجية؟
ولعل المواطن قرأ اخبارا عن توجه لإنشاء حالة توثيق صدرت اوامر عليا بالبدء بها، وهذا يعني ان هناك ثغرة كبيرة وهي الكتابة. فالمعلومات الشفهية والمذكرات الخاصة ليست تاريخا للدولة، لأن اصحابها يقدمون آراءهم ووجهات نظرهم للحدث. فهل لدى الحكومات او لنقل رئاسة الوزراء توثيق لمحاضر جلسات الحكومات الاردنية او تسجيل صوتي لها يوثقها؟ فاذا كانت جلسات الحكومات اليوم معلومة فماذا عن الحكومات الاردنية منذ انشاء الإمارة وفي المحطات الكبيرة؟
في التفاصيل، هل لدينا توثيق عن تاريخ العلاقات الاردنية- البريطانية ومحاضر العلاقات، وهي الدولة التي كانت تحتل الاردن, وكان بيننا وبينها معاهدة، وكان جيشنا تحت قيادة انجليزية قبل تعريبها؟
هنالك كواليس وأسرار للدولة وتفاصيل كثيرة قد لا يكون مناسبا فتحها لأسباب مختلفة، لكن ما هو ضروري هو ان تكون موجودة، لأن الزمن يدور واليوم نحن نتحدث عن احداث لا يزيد عمرها على اربعين عاما، والكثير من رموزها وقادتها غادروا الحياة الدنيا الا القليل، وستمر الايام ونصبح نحن التاريخ, فماذا ستترك الدولة لأبنائها وأجيالها من معلومات وتوثيق وتفاصيل؟
القضية ليست فقط في الجانب السياسي على اهميته، لكنني سأضرب مثلا في القضايا المائية وتفاصيل ابعادها السياسية والمائية والاتفاقيات والمحطات التي أخطأنا بها او اصبنا. فمشروع الديسي بتفاصيله المحلية والخارجية مثلا يحتاج الى توثيق وتأريخ، فكيف عندما نتحدث عن ملفات اخرى مثل العلاقة الاردنية- الفلسطينية؟ فلو فتحنا هذا الملف فماذا لدينا من توثيق لهذه القضية السياسية الكبيرة ام سنعتمد على ما يقول فلان او علان؟
القراءة والكتابة احدى مواصفات الدولة المؤسسية لا دولة الافراد والحديث الشفوي. فإذا كان لدينا ثغرة، فليكن اليوم اول مراحل الحل، لدينا جهود كبيرة وربما لدينا اوراق كثيرة في بعض المجالات، لكننا نبحث عن توثيق مؤسسي.

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

جريدة الغد   صحافة  سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية