معان... معاناة... كلمتان قريبتان جداً من بعضهما. في اللفظ والتهجئة. ويبدو أنهما ترتبطان بوشائج وثيقة على أرض الواقع، كما سمعت من عدد كبير من رجالات معان، التقيتهم في غرفة تجارتها. وفي منزل رئيس نادي معان الذي عمل على إقامة ندوة ثقافية عن دور الإعلام في التنمية الثقافية بمناسبة تسمية معان مدينة ثقافية.
أهل معان، على مختلف أطيافهم، تجاراً ومثقفين وموظفين وطلاب علم، كما سمعت منهم ولمست من أحاديثهم، فخورون بوطنيتهم وانتمائهم لتراب هذا الوطن، وولائهم لقيادته، عاشقون لمدينتهم وتاريخها ودورها الريادي، ومساهمتها في بناء الوطن منذ أيام الثورة العربية الكبرى. شعورهم القومي واضح وجلي في أحاديثهم، لا يدانيه الشك من قبل ولا من بعد، والتزامهم بقضية العرب الأولى نابع من شعور قومي عميق. يستذكرون بفخر واعتزاز جامعة الحسين ابن طلال ودورها في احتضان أبنائهم وتسهيل سبل التعليم أمامهم، وتوفير مشقة السفر إلى الجامعات في المدن الأخرى. ولكن قلوبهم يعتصرها الألم، نتيجة خيبات الأمل والمعاناة الحياتية المستمرة، والظروف القاسية كقسوة صحرائهم التي يواجهونها منذ زمن ليس بالقصير.
يستعرض أهل معان، الذين التقيتهم، معاناتهم مع المشاريع المتعثرة التي بنوا آمالاً عريضة عليها وتبخرت في الهواء؛ ابتداء من مصنع الزجاج، مروراً بمصنع اللاندروفر، ووقوفاً عند شركة تطوير معان، التي لا يضم مجلس إدارتها أي عضو من أبناء المدينة، ومقرها في عمان وفرعها في معان، ويتساءلون عن سر عدم إشراكهم في إدارة الشركة وهم الأدرى بحاجات مدينتهم وسبل تطويرها، ولماذا يوجد مقرها بعيداً عن المدينة بمئات الكيلومترات. يقول رئيس غرفة التجارة، إننا لا نرى دخاناً ينبعث من أي مصنع في سماء المدينة.
يستعرض أهل معان معاناتهم من النقص الشديد في المياه، مع أن معان ذكرت في التوراة بلفظ "معين" وهي تعني الماء الجاري. ومعان تعني ايضاً المنزل، فقد كانت ممراً للقوافل التجارية وقوافل الحج من الجزيرة العربية وإليها. وكانت توفر المكان والطعام للقادمين والمغادرين. وقد اشتهرت معان عبر التاريخ بينابيعها الغزيرة خصوصاً نبع الضواوي، وهو نبع روماني عرف بغزارة مياهه ونقائها (تضوي ضوي)، ومن هنا جاءت تسميته. وقد جف هذا النبع لحاجته الى الصيانة منذ أحداث سيل معان العام 1966، كما جف غيره من الينابيع التي كانت تروي أهل المدينة وتسقي بساتينهم الشامية والحجازية التي باتت تعاني من الجفاف، ويبست عروق أشجارها.
يستذكر رجالات معان، كبار السن، أنهم كانوا يستخرجون المياه من عمق مترين أو أقل أحياناً. ولكنهم لا يجدونها الآن على أعماق كبيرة، بسبب الآبار الارتوازية التي حفرتها شركة الفوسفات واستخدمت مياهها في غسل الفوسفات، ويقولون إنها بلغت حوالي 150 بئراً، فغارت المياه في الأعماق واستنزف مخزون الأرض. وهم يقولون إن المياه الغزيرة التي تسقط في الشتاء وتصل الى 60 ملم، تذهب هدراً وتتسرب الى الأراضي السعودية، لأن سيل معان يحتاج إلى بناء سد حجري لاستغلالها. كما أن السيل بات من أخطر المشاكل البيئية التي تواجههم وتحتاج إلى المعالجة الفورية.
يتحدثون بألم عن إهمال الإعلام لهم؛ فقد أغلق الاستوديو التلفزيوني الذي يتمتع بمواصفات راقية، وسحبت الكاميرا، وعندما يحتاجون إليها يطلبونها من عمان، وقد تأتي.. وقد لا تأتي، وإذا جاءت تصل متأخرة عن موعد الحدث في معظم الأحيان. وفي وسط هذه المعاناة لا ينسى أهل معان أهمية مدينتهم وينظرون إلى المستقبل بآمال عريضة، على أمل ان تنظر الدولة إلى معاناتهم بشيء من الاهتمام.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف مصطفى صالح. جريدة الغد