حين استيقظ الطفل الخليلي من نومه الصباحي المبكر ، لم يكن يحتاج الى اي يقين يؤكد له ان هذا البيت لهم ، بنوافذه وبالمساحة الترابية البسيطة التي تحيط به ، ولم يتبادر لذهنه المتشكل للتو اي ازدحام في الافكار من الممكن ان يولدها له الاحتلال الصهيوني لمدينة الخليل.
الطفل الخليلي كان على يقين من والدته ومن والده وحتى شقيقاته وكان في يقظته الصباحية هذه بعيد كل البعد عن الاشكاليات التي تواجهها المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس ، وهو في زحمته الطفولية على الاغلب لا يتابع مارثون المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية ودلعها في البحث عن المسميات والعناوين بين مفاوضات مباشرة واخرى غير مباشرة. واستطيع ان اجزم بان ذاك الطفل الخليلي الذي لم يتجاوز عمره خمس السنوات لم يعلم اي شيء عن الرسالة التحذيرية التي وجهها اوباما للرئيس الفلسطيني "ابو" مازن بضرورة الموافقة الفورية على الالتحاق بالمفاوضات المباشرة.
كانت فلسطين بالنسبة لهذا الطفل الخليلي مجرد بيت صغير وقامة اب يحرس العائلة بالبحث المزمن عن الرزق وعن جد يظلل العائلة بحنوه النادر ، واخوة يدللونه ، ودالية عنب تعرش في ساحة البيت الصغير وتمنح الطفل ظلاً يظل يتلذذ بفيئه كل صباح.
كان الوطن الفلسطيني بالنسبة للطفل الخليلي هو مساحة بحجم قبضته الطفولية النظيفة التي لم تتسخ بعد بالمصافحات القسرية.
لكن الوطن بكامل جباله ووديانه ومدنه وشوارعه تبدد مرة واحدة في عين الطفل الخليلي حين قامت قوات من جيش الدفاع الاسرائيلي باقتحام البيت بهدف اعتقال الأب ، وحين تم القاء القبض على الأب تفجرت القوى عند الطفل الذي كان يحاول بقامته الصغيرة منع افراد الجيش الاحتلالي من اعتقال والده ، كان الولد يضرب الجنود بقبضته الصغيرة ، ويركض باتجاه سيارة الجيب العسكري محاولاً منع الجنود من وضع الأب في مؤخرة الجيب.
الطفل كان يصيح بحرقة تكتظ بالدهشة الجراحة وهو يقول "وين بابا.. بدي بابا.. وين رايحين ببابا"
كانت اللهجة الاستنكارية التي يطلقها الطفل ، ومحاولته لمنع الجنود من اعتقال الأب تختصر طفولة فلسطينية كاملة دمرها الاحتلال.
في تلك اللحظة وعندما بقي الطفل وسط الشارع وحيداً فقد طفولته وودع البراءة ، وتعمد في رجولة فلسطينية مبكرة هي اكبر من الاحتلال وجنوده.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور