أعاد خبر اعتقال جاسوس إسرائيلي في القاهرة للذاكرة قصة الجاسوسية الإسرائيلية في الوطن العربي، منذ إنشاء الكيان الصهيوني والتي لن تتوقف حتى آخر الزمن. فهي مستمدة من العقيدة الصهيونية المستندة أساسا إلى منطق التفوق وعدم الثقة بالآخرين حتى لو كانوا من الحلفاء الأقربين. وهذا ما يفسر ازدهار الجاسوسية الإسرائيلية وازدياد حجمها بعد توقيع معاهدة السلام الاسرائيلية المصرية، ما يزرع اليقين انهم لا يراعون عهودا ولا مواثيق، ولا فرق عندهم بين العدو والصديق. وقصة الجاسوس الاميركي جوناثان بولارد الذي سرب آلاف الوثائق الأميركية إلى إسرائيل شاهد حي على الاستراتيجية الصهيونية التي لا تراعي الا مصالحها، حتى على حساب أقرب حلفائها.
وكانت حرب الجواسيس قد اشتعلت بين الموساد الاسرائيلي، وهو جهاز أقرب الى عصابات المافيا الاميركية في تنظيمه، والمخابرات المصرية في عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر. ولعل الوثائق العربية تذكر رأفت الهجان، رفعت الجمال، الجاسوس المصري الذي اخترق الكيان الصهيوني، ولم يكتشفه الاسرائيليون حتى وفاته عندما قام المصريون بإنتاج مسلسل تلفزيوني عن حياته ما يزال هو الأفضل في عالم الدراما العربية حتى الآن.
ومن أجل إنعاش الذاكرة العربية، ولأننا شعب لا يقرأ، رأيت أن أقدم شيئا عن التجسس الإسرائيلي في الوطن العربي، خصوصا للشباب الذين لم يعاصروا تلك الفترة، وأغلب الظن أنهم لم يقرأوا عنها. ولعل اشهر جاسوسين إسرائيليين عملا في الوطن العربي في فترة الستينيات من القرن الماضي، فترة ازدهار القومية العربية والقلق الاسرائيلي من تنامي قوة الجيوش العربية، الالماني فولفغانع لوتز. وعند اعتقاله مع زوجته اكتشفت المخابرات المصرية أنه قدم معلومات عسكرية بالغة الاهمية عن صواريخ سام التي نشرتها مصر في منطقة الاسماعيلية، وقد أرسل صورا تفصيلية للصواريخ ومواقعها ما سهل مهمة الطيران الإسرائيلي في حرب عام 1967. وقد حكم عليه بالسجن مدى الحياة، ولكن أطلق سراحه بعد ثلاث سنوات فقط في عملية تبادل للأسرى، عاد بعدها إلى تل ابيب ليؤلف كتابه الشهير "جاسوس الشمبانيا" .
الجاسوس الأشهر على الاطلاق كان الياهو كوهين الذي دخل سوريا عام 1962 تحت اسم كامل أمين ثابت المغترب السوري في الأرجنتين، وبسرعة عجيبة استطاع إقامة علاقات صداقة مع أعلى القادة السياسيين والعسكريين، فيما رشحته الشائعات لأن يتسلم منصبا وزاريا رفيعا. ومن خلال صداقاته غير العادية رافق أحد كبار القادة في جولة تفقدية للتحصينات الدفاعية السورية في مرتفعات الجولان. وتمكن من تصوير جميع التحصينات ومواقع المدافع بآلة تصوير دقيقة مثبتة في ساعة يده، وفي عام 1964 زود تل أبيب بتفصيلات الخطط الدفاعية في منطقة القنيطرة. وفي تقرير آخر زودهم بتفصيلات عن الدبابات الروسية من طراز ت 54 وأماكن توزيعها وتفاصيل الخطة السورية لاجتياح الجزء الشمالي من الأرض المحتلة في حالة نشوب الحرب. وكانت معلوماته من الدقة بحيث سهلت احتلال الجولان والقنيطرة بأقل الخسائر. ولم يكشف إلا عن طريق الصدفة. فقد كان يسكن في شقة قريبة من السفارة الهندية التي عانت من التشويش حينما كان يبث رسائله. وبمساعدة فنية من المخابرات الروسية تم تحديد موقع التشويش. وقد تم إعدامه بعد محاكمة سريعة حتى لا ينكشف أمر علاقاته مع القيادات السياسية والعسكرية العليا.
وما بين فولفغانغ وكوهين وجيش الجواسيس الذين انتشروا في بيروت وساهموا الى حد كبير في عمليات اغتيال قادة المقاومة الفلسطينية، فإن عمليات التجسس الإسرائيلية لن تتوقف حتى لو تم توقيع ألف معاهدة سلام.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف مصطفى صالح. جريدة الغد