كان المكان الأثري الذي اكتشفه علماء الآثار في مدينة من مدن دول امريكا اللاتينية مؤخراً يعود في تاريخه ، إلى ماقبل ثلاثة آلاف عام ، وكان مشهد المكان يدل على أنه عبارة عن مذبح لضحايا من البشر كانت أجسادهم تقدم كقربان لآلهة ذاك الزمان ، وبجانب المذبح الحجري ، كانت هناك بقايا هيكل عظمي لواحد من أهل ذاك المكان ، يفترض ان جسده قدم كأضحية.

وكان عليّ وأنا أحدق بالمذبح الذي أعد خصيصاً لتقديم الضحايا والقرابين من بشر تلك المدينة ، أن أتساءل عن هذا الامتداد التاريخي لذاكرة القتل في التاريخ الانساني. وعن حقيقة هذا الغفران العابر في القرون للقتلة ، وكيف يمكن للذاكرة الانسانية التي قامت في القتل المتعمد عبر التاريخ ، أن ترتدي قفازات المحبّة والسلام ، وتقوم بالمصافحة طالبة السلم والغفران.

ومن يقرأ التاريخ الانساني جيداً سيكتشف أن ما من حرب طال أمدها أم قصر ، فلا بد لها من أن تتوج بمعاهدة سلام ، قد تمتد لفترات طويلة ، لكنها سرعان ما تتقوض لتبدأ الحرب من جديد. حيث يتخلق ديدن القتل أيضاً من جديد.

وفي زمننا المعاصر هذا ، كان بامكان العالم أن يكتفي بحرب عالمية أولى واحدة ، وأن يصدق كل المعاهدات الدولية التي أعقبت تلك الحرب ، لكن العالم سرعان ما استرد ذاكرته في القتل والتدمير لينهض حربه العالمية الثانية ، التي أتت على الأخضر واليابس في هذا العالم ، وسددت فواتيرها البشرية جمعاء. ومع ذلك ما أن نهض العالم كي يضمد الجراح التي خلفتها الحرب العالمية الثانية ، حتى بدأت حرب جديدة أطلق عليها مسمى الحرب الباردة،.

إنه إذن ديدن القتل وذاكرته الدموية هما من يحكمان العيش الانساني فوق هذا الكوكب ، الى الدرجة التي بات الواحد منّا يعتقد ان أرواح الضحايا التي قتلت ظلماً عبر التاريخ الانساني ، تظل تحوم فوق رؤوسنا حتى تأخذ ثأرها في كل حرب جديدة.

ان ذاكرة القتل واحفاد القتيل الانساني الأول "هابيل" ظلوا يؤججون أوار نار الحرب كلما حاولت البشرية أن تنعم بالهدوء ، وبات علينا من الضروري أن ننظر بعين الشبهة والاشتباه لكل فترة سلام يقترحها العالم على شعوبه: ذلك لأن العالم المصاب بحمى ذاكرة القتل سرعان ما ينهض من رماده الجمري ، كي يعيد تشكيل خريطة الحرب.

ولعل ذاكرة القتل هذه التي "شرشت" وتجذرت في الذاكرة الانسانية هي التي نهضت بعد انتهاء الحرب الباردة ، وتقوض دول الاتحاد السوفييتي ، لتعتبرأن الإسلام هو العدو الجديد للعالم ، وذلك على خلفية كتاب هنتنجتون "صراع الحضارت" الذي اعتبر ان العدو الحقيقي للحضارات الانسانية هو الإسلام. وبناء على هذا المُعطى الذي خلقته وولدته ذاكرة القتل الانساني قامت بافتعال الحرب على العراق ، وكذلك في افغانستان ، وهزت اركان عواصم العالم بفكرة الارهاب.

إن الحضارة الانسانية السائدة التي تبدو لنا ملساء وناعمة ، هي حضارة تقوم اساساً على ذاكرة القتل ، ولا تتوقف عند هذا ، بل تحاول تثقيفها حد الأدلجة.

إنّ العالم الذي بالغ في ادعاء التحضر هو في الاساس أسير ذاكرة القتل التي لم تتوقف عبر التاريخ رغم هيلمان السلم والمعاهدات التي يتشدقون بها.

والحروب التي صارت على الباب سوف تؤكد ذلك.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور