ليلة ثبوت غرة رمضان استنفرت الفضائيات العربية ، بطريقة تشعر الواحد منّا انه مقبل على شهر يكتظ بالقهقهات والتسالي والبرامج الطريفة وبراعة القضاء على الوقت الرمضاني.
ومنذ مطلع تسعينيات القرن الفائت فقد رمضان طبيعته البريئة عند معظم الشعوب العربية وتحول الى شهر تقام فيه الخيم الرمضانية التي تكتظ باشهى المأكولات وبالنارجيلات والحلويات وفرقة موسيقية قادرة على ان تُنهض الجالسين كي يرقصوا على "الوحدة والنص" ، والسهر حتى فترة السحور.
علينا ان نعترف اننا وفي زمن الكماليات والرفاهية الكاذبة اننا خسرنا رمضان ، وخسرنا ايقاعه الزمني المكتظ بالتقوى منذ انطلاق الدعوة الاسلامية.
وانا من جيل استطاع ان يرى رمضان الذي كان يتم الاعلان عنه باقامة صلاة التراويح ، واستعداد العائلة التي كانت تتزاحم في حضوره كحبات المسبحة منذ لحظة السحور حتى لحظة الامساك وصلاة الفجر والبدء باستقبال اليوم الاول من رمضان. حيث الام التي قررت ان يصوم آخر العنقود درجات الجامع والتي تعني الصوم حتى وقت الظهر كبادرة تدريبية للصغير على الصوم ، وتوزع باقي العائلة في الفصول المدرسية ، والتباري في مد اللسان كي يتم التأكد من صوم هذا وافطار ذاك ، بينما يبدأ رب العائلة بشق طريق رزق يومه الرمضاني منذ الفجر وحتى اقتراب موعد الافطار بقليل.
نعم كان رمضان تلك الايام بريئاً وكانت ايامه تكتظ بالتقوى والدعاءات والرجاءات وصلة الرحم والتواصل بين الاقارب والجيران ، وكانت عبارة "اللهم اني صائم" تسمعها تتردد في الشوارع والاسواق والحوانيت.
نعم كان رمضان يعني الصيام عن الكلام المشين والسمع المشين ايضاً ، ويعني الاستطالة العظيمة للمأذنة وقت الغروب ، وصوت المؤذن ، ومقرىء القرآن ، والتسابيح الدينية. وكان ليل رمضان يعني التهجد وقيام الليل ، واسترداد ذاكرة اطعمة وحلويات كانت لا تحضر امام العائلة الا في ايام رمضان مثل القطايف وقمر الدين. وكانت الرفاهية الوحيدة هي بعض المسلسلات والحزازير التي كانت تبثها المحطات البعيدة.
اما رمضاننا الحالي المدجج بما لا يقل عن ستين عملاً درامياً ، وتفشي الخيم والمقاهي التي سيزدهر سوقها في رمضان ، فهو على الاغلب تحت وطأة السعار الربحي قد فقد براءته ، وجعلنا نحن الذين عاصرنا رمضان الستينيات والسبعينيات نهمس بحسرة :"لقد خسرنا رمضان".
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور