يضرب اشقاؤنا المصريون المثل بـ"ذيل السمكة" فيصفون بعض الاشياء بأنها مثل ذيل السمكة. هذا الذيل الذي لا غنى للسمكة عنه عندما تريد الحركة والحياة، لكن عندما تتحول السمكة الى وجبة شهية فإن من استفادوا من الذيل للحركة والحياة اول ما يرمون من السمكة المشوية او المقلية ذيلها، من دون ان يتذكر هؤلاء لهذا الجزء الحيوي دوره وفضله.
وربما يكون مثل "ذيل السمكة" شبيها بالمثل الذي نستعمله في بلاد الشام حول "خبز الشعير المأكول المذموم"، اي يأكله الناس ليسد جوعهم ويقدم لهم الخدمة، لكنهم ما إن يشبعوا حتى يشتموا هذا الطعام تماما مثلما يرمون ذيل السمكة.
لكن المشكلة ليست في ذيل السمكة او خبز الشعير، بل فيمن يتعامل معهما "فيستعملهما" حين تكون حاجته لهما ثم يتنكر لوجودهما حين يشبع ولا يكتفي بهذا, بل ان اول ما يرميه من السمكة عند الاستعمال او الاكل هو الذيل، وحين يشبع الجائع الذي لم ينقذه من جوعه الا خبز الشعير قد يرمي الرغيف جانبا وينسى لحظة جوعه وحاجته للشعير وخبزه ويستعلي ويمارس الجحود بحق هذا الطعام.
والمفارقة ان من يمارس هذا قد يعود للنفاق لذيل السمكة حين يحتاجه لتتحرك السمكة به او يمجد رغيف خبز الشعير حين تضيق به السبل ولا يجد لإنقاذ نفسه من الجوع والفاقة الا خبز الشعير، لكن لأنه ممن يتنكرون ويحترفون الجحود يعود بعد ان يشبع الى شتم الشعير بل ربما المطالبة بمنع زراعته.
الأوفياء وأصحاب الجذر الطيب والاصيل لا ينسون بعد ان يشبعوا ويتجاوزوا ازماتهم اليد التي قدمت لهم، لهذا لا ينسون حتى بعد ان يصبح الخبز الفرنسي على موائدهم لحظات "الرفقة" مع رغيف الشعير، ولا ينسون ذيل السمكة حتى وهم يستمتعون بأجزائها الاخرى المكتظة باللحم، فالأمر مرتبط بالأصالة وطيب الخلق وليس عيبا في الشعير او الذيل.
والذين يعانون معاناة خبز الشعير يكونون في علاقة مع اطراف وجهات وأفراد مشبعين بالانتهازية، يمارسون حالة التذلل حتى النفاق حين يكون الشعير خيارهم الوحيد ويطلقون بحقه الشعر والغناء، لكنهم مجبولون على عدم الوفاء او ما يشبه نظرية عند اليهود الذين يعتبرون كل من هو من غيرهم "الاغيار"، اي من يحق لليهودي استغلالهم لأنهم مخلوقون لخدمته.
المشكلة لا تكون فقط في هذه الفئات المجبولة على الجحود، بل حتى في الشعير وذيل السمكة احيانا لأنه يلدغ من ذات الجحر مرة بعد مرة، ويكتوي بنار النكران والجحود في كل مرحلة ثم يعود ليسمح للجاحد ان يستغله عندما يكون في لحظات الضيق، وعندما لا يجد الا رغيف الشعير يمد يده له، او ذيل السمكة ليعطي السمكة القدرة على الحركة والتنقل والحياة.
لهذا فلا عذر لرغيف الشعير او ذيل السمكة ان يبقى يمارس الشكوى والتذمر وان يظهر الحزن على نكران والجحود لأن من حق نفسه عليه ان يجعل الجاحد في لحظة ضعفه وضيقه يدرك القيمة الحقيقية لرغيف الشعير وذيل السمكة.

المراجع

alghad.com

التصانيف

جريدة الغد   صحافة  سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية