يشعر الواحد منّا احياناً انّ هناك همّة جماعية حوله تستعجل هرمه واقترابه من حافة القبر ، ويتم هذا الامر على الاغلب بنوع من التآمر غير المعلن. فأنت وحينما تكون في الاربعينيات من عمرك ويكون الابناء حولك باعمارهم المنطقية من سنتين الى عشر سنوات ، تستطيع ان تلاحظ بان الابناء والجيران والزوجة وكافة المعارف الذين تلتقيهم يتحاشون تسميتك في وضعية عمرية معينة ، ولكنك حينما تدخل في خمسينيات عمرك ، لا بد وأن تشعر بالانقضاضية الجمعية لكل من حولك على عمرك ومحاولة اعتقالك في هرم مبكر بتسميات وبكنى جديدة.

فالابن البكر الذي طالما كان يتحين الفرصة لغيابك كي يحل محلك على مائدة الطعام ، أو في مقعدك المفضل امام التلفزيون تراه يستبق الجميع بتسمية جديدة يطلقها عليك بتسميتك بالوالد ، حيث ينطقها بنوع من التعمية والتغييب. والزوجة التي هي اقرب الناس اليك تبدأ بنطق اسمك امام باقي الاولاد بقولها "أبوكم" ، أما في الشارع والاسواق والازدحامات فإن اسمك الذي لا يعرفه الغرباء يتحول الى كنية متفق عليها ، حيث ينادونك ب"عمو" أو "ياحاج".

ان هذا النهج كله يقع في مساحة الخبث الاجتماعي الذي يحاول التخلص منك باقتراح مسميات جديدة عليك ، مسميات ليست له علاقة بك لا من قريب أو بعيد ، ويكون عليك التدرب على ياء النداء الجديدة هذه. ويمكن القول بان هذه الازاحة في تغريبك وابتعادك عن اسمك ، هي عبارة عن رغبة اجتماعية مبكرة لتكفينك ، والبدء بجعلك تستعد لرحلتك القبرية.

وحينما يتأخر الموت بحدوثه القهري وتقع في مساحة الهرم الحقيقي ، فانك تتحول الى عبء اجتماعي حقيقي ، لا تحتمل مجالسته أو محاورته ، الا باسلوب الدجل والمماطلة والتحاور تحت شعار "خذه على قد عقله".

انني حينما أذهب الى احد المرافق السياحية كجرش والبترا وام قيس وحتى العقبة والاحظ فلول العجائز القادمين الينا من قارات بعيدة وموحشة ، وهم يشبكون ايديهم بايدي بعض ، ويقهقهون ، احس بالحسرة من هذه المفارقة التي تجعلني اراقب مجتمنا بكامل عافيته ، وهو يكد كل هذا الكد على ازاحتنا من مساحة العمر والحياة باسم كذبة المرحلة العمرية التي تتطلب الحشمة والوقار. متناسين ان كل واحد منا يمتلك روحاً في اعماقه ترتج بالحياة والاقبال عليها. وان هذه الروح لا تخضع لتقلبات العمر ومقترحاته الاجتماعية الجارحة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور