ثلاثة ايام من الحرارة المرتفعة ، استطاعت ان توقظ ذاكرة صيفية كانت ثاوية في اعماقي بانتظار من ينهضها بهذا الهجير اللافح الذي لذع بحرارته كل الامكنة والشوارع والناس.

ثلاثة ايام ظلت درجة الحرارة تجاور اعلى معدلاتها التي وصلت الى الاربعين او مايزيد. ثلاثة ايام وانا اتنفس رائحة الشوارع التي باتت بفعل الحر والقيظ فارغة من المارّة ، وبدت الاشجار النابتة على اكتاف الشوارع وكأنها تعاني من وحدة موحشة في وقت الظهيرة ذات الطعم المعدني.

ثلاثة ايم اختلفت فيها رائحة البيوت التي تحاول ان تتستر بهواء المكيفات ، او بالحركة الغبية لأذرع المراوح ، رائحة مهجنّة جعلت الجدران تعرق ، والطعام يعرق ايضاً. وحتى الماء الذي اعتقدنا انه سينقذنا من هذا الحر اللافح تعرق ايضاً ، وبدت لسعته على اجسادنا عدوانية.

ثلاثة ايام جعلتني اعود الى قيظ العائلة والاجساد المتمددّة في حوش البيت على ذاك البلاط الذي كان يفقد بهجته اللونية ، ويجعلنا نحدق بتلك "اللمبة" التي تحوم حول شعاعها الضوئي بعض تلك الحشرات الدقيقة وهي تزاحم الفراشات على لدغة الضوء.

ثلاثة ايام من الحر المتواصل بتذكرة جسدية واحدة ، جعلتني اعود قسراً الى سنوات القيظ اللاذع في "ابو ظبي" منتصف سبعينيات القرن الماضي ، حيث كنا نقيم في تلك المساكن الشعبية ، المحاطة بالرمل من كل الجهات ، وكان الذهاب من غرفة الى غرفة عبارة عن رحلة موجعة ، وكانت اصوات المكيفات تجأر بذاك الضجيج الذي كان يشعر الواحد منّا انه يقيم وحده على ظهر هذا الكوكب ، وكانت الرطوبة المضافة الى الحر تعطي حالة طلب الرزق طعم الحزن الغامض الذي يختلط بالقهر. وحينما كانت تنقطع الكهرباء كنّا نهرب الى البحر ونجلس في تلك المساحة التي يختلط فيها نسيم البر بنسيم الحر.

ثلاثة ايام من الحرارة المتواصلة افقدتني ذاكرتي الشتائية ، بكل برودتها وارتعاشاتها المحببة ، وجعلتني اعتقد أن كوكبنا اقترب من الشمس حد الاحتراق.

ثلاثة ايام من الحرارة اعادتني الى جسدي الذي استرد عافية التعرق وغباء اللزوجة وتنفس الهواء الساخن ، وجعلتني وكأني اجلس على حافة الكوكب وانا اتوسل هبة هواء باردة وطلقة تعيد لي اتصالي بروحي بعد ان فرغ شاحني الجسدي تماماً،


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور