بعض المسلسلات الدرامية العربية تتوخى في مضمونها الذهاب نحو الماضي الاجتماعي ، على اعتبار ان هذا الماضي هو جزء من ذاكرة الناس ، وبالتالي يصير التعاطي مع احداث المسلسل لا يحتمل فكرة التأويل ، والاستغراق العشوائي للمشاهدين.
وبعض المسلسلات الدرامية الرمضانية تحديداً تعمل على ايقاظ النائم من القيم الاجتماعية ، والتي جاء نومها الذي يكاد يكون متحجراً بسبب الانقلابات القيمية في المجتمعات العربية ، وبات ايقاظها بهذه الفنية الرائعة ، يجعل من بوصلة الناس تتوجه نحو متابعة هذه الدراما والتفاعل معها.
ولعل المسلسل السوري "باب الحارة" في جزئه الخامس والأخير ، استطاع ان يمتلك مثل هذه الشروط في بنيته الدرامية.
فالمسلسل يعيدنا الى الواقع الشامي والمديني عند مطلع القرن الفائت ، ويضعنا في مناخ حارة صغيرةَ ، استطاعت ان تكون مضرب مثل في التكاتف والتكافل في وجه الاستعمار الفرنسي الغاشم آنذاك.
ان السر الذي يجعل مثل هذا المسلسل قادراً على جلب المشاهد العربي ، واقتياده لمتعة المشاهدة ، هو تلك الخسارة الفادحة التي تعرض لها الانسان العربي في زمننا المضارع هذا ، لفكرة التواصل الاجتماعي بين الاب والابناء والاقارب والجيران. ان متابعة اي حلقة في مسلسل باب الحارة تجعل المواطن العربي يبدو مسرنماً بطعم ذاك الزمن الجميل.
ذلك الزمن الذي كان فيه الثائر ثائراً ، والصديق صديقاً ، والجار جاراً حقيقياً يمكن الاعتماد عليه في ادق الاحتياجات.
ومسلسل باب الحارة يوقظ ذاكرة رجولية محببة عند المشاهدين العرب حيث كان فيها الرجل سيد بيته ، والانثى سيدة بيتها فعلاً وذلك ضمن الاعراف الاجتماعية آنذاك.
والمسلسل حينما تقول فيه المرأة لزوجها "يا تاج راسي" فانها تدحر هذه المرأة السائدة حالياً وهي تتزنر ببنطال الكابوي ، وتلك التسريحة الذكورية.
ان مسلسل باب الحارة يعيد لنا فكرة استعجال حدوث الظاهرة الرجولية عند الفتيان ، والمناداة بكنية الابوات لكل فرد في الحارة. حيث تمنح عبارة "ابو فلان" المنادى عليه رجولة اضافية.
ان السر في اقبال المشاهدين العرب على مسلسل باب الحارة ، هو قدرته على استرداد العديد من قيمنا الاجتماعية التي ضيعناها في زحمة بحثنا عن الحداثة المزورة ، وتقمصنا لانماط اجتماعية هي اقرب ما تكون الى التغريب واللاانتماء.
ان المسلسل هو حارة ذاك الهبل الاجتماعي الجميل الذي فقدناه وصرنا نتوسله من تلك الاطلالة التلفزيونية. انه مسلسل الحنين والفقدان لحارة كانت بحجم الكف وببساطة خطوطه.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور