ويجيء العيد وهو يوقظ ذاكرة طفولية تكتظ بالحنين ، ذكرة كانت تجعلنا نقطف الفجر من أوله وصلاة العيد من تكبيرتها الاولى ، ونحن نتحاشى ان نرى الأب قبل صلاة العيد ، ذلك اننا اعتدنا على انتظاره ليخرج من صلاة العيد ويتفقدنا كعسكر نجباء نصطف كي نقبض على العيدية. كي نهرول بعد ذلك نحو البقالات والشوارع والاسواق والمراجيح والعروض السينمائية التي كانت تتسيد أرواحنا بتذكرة واحدة.
ويجيء العيد ونحن نستذكر عجائز البيت اضافة الى أمي كيف كنّ ينهضن في صباحية العيد كي يتفقدن موتاهن ، ويقرأن على ارواحهم تلك الفاتحة الرطبة التي تكاد تنهض الميت من قبره كي تستدعيه للعناق. وكان يحدث احياناً وفي بعض الاعياد اننا نرى موتانا بالعين المجردة.
ويجيء العيد كي ينهض ذاكرة الاعمام الذين كانوا بحضورهم يحولون البيت الى مساحة عناق ، كانت تأكد حميميتها في الرائحة النائمة بين خيوط العباءة ، وتلك الرائحة الهرمة لدخان الهيشي التي كانت تمغنطنا كي نلتصق أكثر بالاعمام.
ويجيء العيد كي يُنهض ذاكرة الجيران الذين كان يقطنون بجوار القلب تماماً ، ويرفلون بتلك العافية التي تجعلك تفكر بكل هذا الحنو الذي يمكن ان تخلقه الجيرة وتلاصق جدران البيوت.
ويجيء العيد كي يوقظ ذاكرة التبدد في الاسواق والمغامرة بشراء أكثر من ساندويتش ، والذهاب هناك حيث الحارات البعيدة ، والدخول في لعبة اليانصيب وتلك الورقة التي كانت تتستر بالشمع الاحمر على اسم احد الفنانين المدرجين في مربعات كانت تبدو لنا كنوافذ سحرية.
ويجيء العيد وانا أجلس على تلة عمري الخمسيني ، محاولاً تحاشي قائمة موتاي التي أخذت تتزايد في كل عام ، وفي لحظة ما أشهق وبي رغبة عارمة بالبكاء ، وقد وجدت نفسي اجهش بالبكاء. لكني انتفضت فجأة وفتحت نوافذ البيت وأمعنت النظر بشجر الحديقة وبالطيور الصباحية المشاغبة ، وبتلك الاغفاء الخريقية عند نهاية الأفق. ولا أدري كيف لوحت بيدي صائحاً" كل عام وكل الكائنات بخير"
وكان ان سمعت هسيساً كوكبياً يهمس في أذني"وأنت بخير".
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور