الطرقات تموت أيضاً ، هذا ما تؤكده مشاريع الطرق الجديدة والعملاقة ، بين المدن والعواصم ، وهي تمتد باتساعاتها الاسفلتية ، تاركة الطرق القديمة ، تغور في الارض وتطمس. لتتحول الى مقبرة ، تضم طعم ايقاعات السفر في سنوات منصرمة ، وخدش ايقاعات الارجل الانسانية والحيوانية.

وقبل ان يخترعوا السيارة التي أدت الى اختراع الشوارع المسفلتة ، كانت الجغرافيا تتشكل بناء على القدرة في المشي ، والقدرة على اختصار الطرقات ، وكانت هذه الطرقات التي صنعتها الحيلة الانسانية ، تبتكر جغرافيا متواصلة ويمكن مراقبة تجاورها بالعين المجردة.

فاختراع مشروع الخط الحجازي الذي كان يسعى لربط بلاد الشام بالديار الحجازية اعتمد نسبياً على الجغرافيا التي صنعتها الارجل الانسانية ، وتحولت المحطات التي كانت تنيخ فيها جمال القوافل الى محطات رئيسية لهذا المشروع ، ولكن انهيار الدولة العثمانية ادى الى انهيار مشروع الخط الحجازي.

وعودة على جغرافيا الطرقات التي كانت تصنعها الارجل في مدن متباعدة في بلاد الشام نجد ان هذه الجغرافيا وحدت اتصالات وعمقت علاقات بين بعض المدن ، . فالعلاقة بين جنوب فلسطين كانت اقرب ما تكون الى جنوب الاردن ، فمن كان يود الهروب من ثأر في قرى جنوب الخليل كان يذهب الى مدينة الكرك الاردنية. وجغرافيا الارجل هي التي صنعت هذه العلاقة العميقة والحميمة بين مدينة نابلس الفلسطينية ومدينة السلط الاردنية. اما في مدينة اربد وباقي القرى في الشمال فقد كانت على علاقة سهلة وطيعة مع مدينة درعا ودمشق.

اما على صعيد التواصل بين القرى فان الشوارع المعبدة الجديدة باعدت ما بين هذا التواصل ، واصبحت المسافة بين القرى متباعدة وربما ضعف المسافة القديمة. وما زال هناك جيل هرم يعتمد وحينما يعتلي صهوة دابته طرقاً سهلة وقريبة للوصول الى القرى التي اخترعت طرق التواصل معها جغرافيا الارجل.

ولهذا أظل وكلما راقبت الجرافات والسيارات الكبيرة وهي تشق شارعاً جديدا ، أشعر بغصة وانا اراقب الشورع الترابية وهي تختفي وتموت تاركة طعم ايقاع جغرافيا الارجل يغور في خبايا ارضية بعيدة وعميقة. وأكاد أسمع هذه الطرقات وهي تستغيث.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور