درجت بعض العائلات في الحواضر العربية على توريث الابناء مهن الاجداد والآباء ، ومن هنا اتخذت بعض العائلات العربية اسم المهنة التي كان يعمل بها الاجداد من صيغة وصباغة وحياكة الى باقي متتاليات التوصيفية للمهن.
وكان ابناء هذه العائلات المهنية يتوارثون مهن الاباء بنوع من الاصرار على حفظ ارث الاجداد والتمايز في المجال التصنيعي الذي عرفت به هذه العائلة أو تلك.
لكن ومن مطلع ستينيات القرن الفائت ، ومع انتشار التعليم المجاني ونشوء شخصية التلميذ وطالب العلم ، حدث بعض التراجع المهني عند الكثير من العوائل التي عرفت تاريخياً بجودة مهنيتها ، وصارت فكرة متابعة الدراسة والحصول على الشهادة الجامعية ، والعمل في الوظيفة الحكومية هي المطلب الرئيس عند معظم هذه العائلات.
وحينما بدأ الأب يعيش يتمه المهني الذي ورثه عن اجداده ، أخذ يسعى الى اختيار واحد من الابناء "هو على الاغلب" من أبنائه الفاشلين في الصفوف المدرسية ، ليكون هو خليفته في تحمل عبء المهنة التي لا يريد لها الاب ان تنقرض. ويبدأ الابن بتقبل العرض الابوي عليه ليبدأ بالتخلي عن الدراسة والالتحاق برجولة المهنة ورجولة الاسواق في وقت مبكر من عمره.
فالعائلة التي تعمل في تصليح السيارات صارت بعد هرم الأب بحاجة لتفرغ واحدا من الابناء كي تستمر المهنة ، وتستمر ايراداتها المالية ، والامر ذاته ينطبق على ورشة الحدادة ، وورشة النجارة ، ومحل بيع وصناعة الالبان ، ومحل الحلاقة.
لكن مع مرور الزمن وبسبب "قرف" ربة البيت المزمن من مهنة الاب أخذت بعض الامهات يعملن على تغريب الابناء عن مهنة الوالد ، والسعي لجعل الابناء من حملة الشهادات العليا ، تلك الشهادات التي تجلس الابن موظفاً مرموقاً يضيع جهده بالتوقيع على المعاملات.
اننا في زمننا المتسارع هذا بحاجة حقيقية للبحث عن المهن التي اكتسبها الآباء والاجداد بالعرق والكد ، وبنوا من خلالها البيوت التي تأثثت بالحب والمودة وبساطة التعامل العفوي مع الجهد الجسدي.
اننا بحاجة لمهن استطعنا وأدها ، وتكفينها ، والانتهاء منها تاريخياً بحجة التطور وتغير احوال الحياة. اننا بحاجة لمعرفة قاتل المهن ، هذا الذي يعيش بيننا ، هذا الذي اعاد مفردة المهنة الى مربعها العربي الاول في اللغة حيث الجذر اللغوي لكلمة مهنة هو المهانة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور