هناك بعض المشاهد التي تلفت انتباهنا في الشوارع والاسواق ، والتي قد نلاحظها بمحض الصدفة ، لكنها في النهاية تمارس علينا حالة المشهد التسلطي الذي لا يمكن التخلص منه أو محاشاته.
وانا ما زلت وعلى سبيل المثال اتذكر الرجل الذي شاهدته بمحض الصدفة السياحية في سوق مكناس المغربية ، وهو يجلس في عتمة دكانه الدهرية الرطبة وسط آلاف من ماكنات الخياطة القديمة والمستعملة ، وقد بدا لي الرجل وسط هذه الماكنات وكأنه هو ايضاً ماكينة خياطة بوجهه الملطخ بالزيوت وبأرنبة انفه الدقيقة التي تشبه ابرة ماكنة الخياطة. ولا أدري لماذ شكل لي مشهد الرجل حالة من الكابوسية المعدنية والموجعة.
بالامس.. كنت صباحاً في موقف باصات رغدان ، وكان عليّ أن أتحاشى مشهد الطلاب والطالبات ، ورائحة عرقهم الصباحي ، وتذكر اجرة المواصلات ، وتذكر ذاك المبلغ البسيط الذي يختفي في زوايا الحقيبة ، وكيف تم تدبيره بطلوع الروج.
وأنا ادري بأني وحينما اخرج من محطة باصات رغدان سوف اعاود اعتقال روحي في تلك الواجهة المكشوفة لعدادات الكهرباء ، والملصقة بجدار محطة الباصات من الجهة الخارجية ، تلك العدادات التي يعمل بعضها ، بينما البعض الآخر قد توقف بشكل يبدو وكأنه أبدي. وأنا أعلم ايضاً بأني سوف أتوقف طويلاً امام الخط الساذج الذي كتبت به اسماء المشتركين في هذه العدادات ، وسأحاول أن أتفلت من فكرة البحث عنهم في محطة رغدان ، أو في تلك المستشفيات والمقابر البعيدة.
وحينما خرجت من رغدان حاولت ان امنع السائق من الذهاب الى بيتي عن طريق وادي الحدادة ، لأني لا بد وكعادتي في كل مرة ، سوف احدق طويلاً في تلك الواجهة الحجرية ذات اللون النادر ، لبيت بني بجدار واحد هو الجدار المطل على الشارع العام ، لأن هذا سيعفيني من اسئلة وتوقعات عن اسباب بناء بيت بهذا الحجر البترائي الجميل بجدار واحد ، وبجهة واحدة. كان عليّ أن أنقذ نفسي من الاسئلة ومن تسلط المشهد.
وحينما قررت أن آخذ طريق منتصف البلد ، وتحديداً في امتداد شارع الملك طلال ، لفت انتباهي بعض البيوت العتيقة التي تبدو فائضة عن جبل عمان ، بما يشيه التقيؤ الحجري العتيق ، لفت انتباهي سقف احد البيوت المتهالكة وقد تم تدعيم حمولة السقف بدراجة نارية.
ولحظتها همست: "اللعنة".
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور