بداية يجب الاعتراف بأننا أُمة بلاغية بامتياز ، وأن أذننا استمرأت تاريخياً الاستماع للايقاعات اللغوية ، ودويها التي تسري في عروقنا الى درجة الاستعداد الدائم للتصفيق والهتاف. واننا دفعنا الكثير من الفواتير الحضارية كثمن لهذا الادمان المُزمن على الخطابة ، وسُمنة الانشاء اللغوي. والى الدرجة التي جعلت أحد المفكرين العرب يسمي العرب بأنهم ظاهرة صوتية.
وكان يمكن القبول بهذا الادمان الاصغائي لو ظل الأمر يرتبط بالخطابات السياسية المجلجلة ، والضجة التي تسري بالمايكروفون ، وتقبل الوعظ الارشادي الذي يتلبس كل خطيب عربي يصعد الى أي منصة خطابية. لكن الضجة الخطابية أخذت تتعدى كل ذلك وتتمظهر في معظم البرامج التي تبثها الفضائيات على تنوع اهدافها ومشاربها.
نعم فنحن في زمن تفشي ثقافة الصورة ، بدأنا نصاب بالحضور الموجع للوعاظ الجدد. الذين لا يعتمدون على موضوعية الفكرة وعمقها ومناقشتها بهدوء ، بل صار المذيع التلفزيوني يعتمد في تقديم برامجه على التركة السايكولوجية الخطابية التي تسكننا أصلاً ، كي يُعيد انتاجها وتخليقها من جديد ، بأدوات الخطابة ذاتها.
ولعل كل هذا الضجيج الخطابي الذي صار يملأ الفضائيات ، هو أحد الظواهر الجديدة للوعاظ الجدد ، بحيث انك ومن الواجب عليك تسديد الضرائب السمعية لكل هؤلاء الوعاظ الجدد.
ان البرنامج التلفزيوني الذي يقوم اساساً على الوصل والاتصال مع المشاهد ، ومع كل ما يهمه من قضايا سياسية واجتماعية ، تحول وبسرعة عجيبة الى برنامج خطابي يُعيد انتاج التخلف الخطابي العربي من جديد.
وفي الوقت الذي يجب ان يكون فيه البرنامج التلفزيوني حالة من حالات اثارة الوعي ، وتهييج القوى الخلاقة الفكرية عند المشاهد ، فان ثقافة الشفاهية الثاوية في وجداننا التاريخي ، اصبحت قادرة على حذف الصورة ، وابقاء المشاهد في مساحة الصوت.
ولا أبالغ ان قلت بأني بدأت أدمن على عادة مفادها ، هي انني وكلما أصابتني حالة الارق أوالقلق ، أذهب الى مشاهدة مثل هذه البرامج ، التي تجعلني أدير ظهري لها ، وأبدأ بالاستمتاع بالنوم العميق.
لا لشيء سوى الرغبة في الهروب من خطابة ، أكلت رؤوسنا حضارياً وما زالت،،
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور