بعض المبدعين العرب ، وعددهم ـ على الأغلب ـ لا يتجاوز عدد أصابع اليد ، يتعاملون مع أعمالهم الإبداعية بنوع من الحرص المقدس ، ولا يقعون في دفع أعمالهم إلى النشر ، أو الطباعة إلا من بعد حصولهم على يقينهم الذهني ، والروحي ، بأنّ هذا العمل يستحق النشر ، فعلاً. وذلك بعكس السيل الهادر ، من المبدعين العرب ، الذين ما تتشكل لديهم جملة كتابية ، حتى يقوموا بتحبيرها ، ودفعها إلى النشر ، والطباعة.

وأعترف بأني دهشت ، تماماً ، مما قاله الصديق الشاعر والناقد ، حكمت النوايسة ، في دراسته عن المبدعة الفلسطينية الراحلة ، سميرة عزام ، وذلك ضمن جلسة نقدية عن القاصة العزام ، في مؤتمر القصة ، الذي عقدته الدائرة الثقافية لأمانة عمّان ، الأسبوع الفائت ، حيث عرج النوايسة على قصص مهمة جداً في مختارات قصصية عمل على تحقيقها الشاعر فخري أبو صقر ، فأشار النوايسة إلى مجموعة "أصداء" ، القصصية ، التي ضمت بعض القصص التي لم تقم القاصة بنشرها من قبل.

وهذا يقودنا إلى ما أكدناه ، في مقدمة هذه المقالة ، حول التعامل مع النص الإبداعي بقدسية ، تمنع المبدع من أن يغامر بنصه الابداعي ، وذلك بسبب رقي ذائقته القرائية الخاصة بإبداعاته ، ومحاولة عدم الوقوع في شطط النشر وتعرجاته ، وأفخاخه الحبرية.

ويعجب المرء من قاصة عاشت مع جيل خمسينيات القرن الفارط ، كيف تصل إلى هذا المستوى من القص الجميل والنادر ، في مجموعتها القصصية تلك؟ وكيف ترتقي بروحها عن الاندفاع باتجاه النشر والطباعة ، وهي تحتفظ بمثل هذه القصص في ارشيفها الخاص؟.

وما ينطبق على القاصة سميرة عزام ينطبق ، أيضاً ، على الشاعر الفلسطيني الراحل ، الذي ترك خلفه مجموعة من القصائد كان يربأ ، بنفسه ، عن نشرها ، ودفعها للمطابع ، التي تظل ، دوماً ، في حالة انتظار لقصيدته الجديدة.

لكن الفرق بين تركة سميرة عزام ، القصصية ، وبين تركة درويش ، الشعرية ، أن الورثة يختلفون في مراميهم ، واغراضهم ، بعضهم عن بعض. فسميرة عزام كان لها من الورثة المخلصين لفن القصة القصيرة ، والذين أخذوا مسودات قصصها ، وقدموها كما هي. وقد فعلوا ذلك لأنهم يعرفون أن القصة القصيرة ، التي أهملتها الراحلة عزام ، ولم تنشرها ، خلال حياتها ، تستحق النشر ، وأنها ذات مستوى يتجاوز ـ في إمكاناته الفنية الأصيلة ـ العديد من المجموعات القصصية ، التي كتبت في الألفية الثالثة ، وأن فخري أبو صخر هو من هؤلاء القراء النجباء ، الذين يغارون على عافية النص حين يهمل ، أو ينقرض.

لكن ورثة درويش ، الذين تناهشوا ، على تركته الشعرية ، كذئاب جائعة ، وهم في حالة استعجال ربما تكون مشبوهة ، قبلوا لأنفسهم أنْ يتقاسموا طباعة الأعمال غير الكاملة لدرويش ، وهم يعلمون ، تماماً ، أنه ، لو كان حياً ، لما قبل بهذا المستوى من الطباعة والنشر ، وبهذا اللهاث المشبوه خلف موهبته الشعرية.

إنها مفارقة تبعث على العجب والاستغراب. المفارقة بين ورثة درويش وورثة سميرة عزام.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور