يحدث أحياناً أن يحتاج الكاتب الى اجازة كي يستطيع استرداد أنفاسه الحبرية ، وكي يهرب من تلك الفكرة التي تظل تتنطنط امامه كل صباح حتى يكتبها ، كي تتأبد في حبر الصحف والأرشفة.
يحدث أحيانا أن يحتاج كاتب المقال اليومي الى فك ارتباط مؤقت مع الكتابة واستحلاب الافكار ، وقدها احياناً من صخر الحياة اليومية وتعرجاتها الجارحة.
يحدث احياناً ان يحتاج الكاتب اليومي ، الى أن يتوازى مع الناس ، وأن يندغم بهمومهم العادية واليومية ، أو أن يتنشق وضعية المواطنة مثل خلق الله ، وأن لا يضطر في كل صباح أن ينصب افخاخه الكتابية لحالات الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي وحتى العاطفي.
يحتاج الكاتب أحيانا أن يسترد غباء كان قد ودعه منذ أمد بعيد ، والغباء هنا يبدو وكأنه المعادل الموضوعي لفكرة البراءة. براءة الانفعال والتفاعل مع الحياة دون اي قصدية كتابية.
يعني يحتاج الكاتب اليومي احياناً ، الى ان يظل يتثاءب في فراشه الصباحي ، وأن يشرب القهوة ويدخن السجائر في مساحة لا تتعدى مساحة الفراش ، وأن تتاح له فرصة مراقبة الغيوم الخريفية الهشة ، وهي تلقي عليه تلك النسمة البكر من جهة النافذة الغربية ، وأن يحدق ملياً بالعصفور الذي يتنطنط على اغصان الشجرة العملاقة التي تجاور نافذة غرفة بيته.
يحتاج الكاتب الى ذاك النهوض المتثاقل كي يجلس عند عتبة بوابة اليوم ليرى عمان بكامل انوثتها ، وبكامل قيافة شوارعها وحاراتها وساحات اسواقها وهي بانتظار ان يحفر فيها يومه الخاص.
يحتاج الكاتب احياناً ان يتخلى عن يده الممتدة بتوسل لايقاف السائق ، وان يمشي راجلاً باتجاه وسط البلد ، وتأمل وجوه الناس ، والتلفت ذات اليمين وذات الشمال لمراقبة الادراج الحجرية الصاعدة الى جبال عمان. وحين تصطاده بسطات الكتب والمجلات يفرح لتلك العناوين المشاغبة ، والى سحنة بائع الكتب التي تشبه بلونها لون الحبر العتيق والمطفأ.
يحتاج الكاتب الى التخلي قليلاً عن صرامته البلاغية ، واعتقاده الساذج انه بصدد ترتيب أوضاع العالم ، وان يترك انفه على سجيته وهو يتنشق رائحة الملابس العتيقة والمعقمة ، أو ان يشتم رائحة الشواء مختلطة مع رائحة الفلافل والشاورما والخبز الساخن وذاك الطعم الحريف النائم في رائحة الشطة.
يحدث احياناً ان نحتاج الى التوقف قليلاً عن بث الكلام اليومي كي نقرص الحياة من خاصرتها ، كي نتأكد انها ما زالت بجانبنا ، أو ما زالت تحدب علينا.
يحدث احياناً ان تأخذنا اجازة الى معاودة ذاك الضجر الجميل الذي اعتقدنا واهمين اننا ودعناه. يحدث هذا كله لكننا سرعان ما نعود كي نعيد تأثيث الحياة بالكلمة الطيبة ، ومعاهدة الناس ، كل الناس على المحبة والوفاء ووعد الخير.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور