مازلت اذكر ذاك البيت الذي ظل يجاور طفولتي ، ويجاور منزل العائلة ، بغرفتيه المبنيتين بالحجارة البارزة وبالساحة التي كانت تمتد امامه ، وبمطبخه الصغير الذي كان يبدو كثألول معماري. وبوابته المتواضعة التي كانت من الصفيح الرقيق.

وقد ظل ذاك البيت عالقاً في ذاكرتي بسبب انه البيت الوحيد الذي كان يتناوب عليه الناس لاستئجاره والاقامة فيه ، وهو البيت الاول الذي دلني على فكرة ايجار البيوت ، ذلك اني كنت اعتقد جازماً ان البيوت لمالكيها. او ربما بسبب ان والدي هو الذي شيد بناء بيتنا ، والجيران ايضاً هم الذين بنوا بيوتهم.

وما زلت اذكر سائق الباص الذي اقام هو وعائلته في ذاك البيت ، وكيف كان يوقف باصه الضخم والمستطيل عند ناصية الشارع ويهبط منه كفارس ، بنظارتيه الشمسيتين ، وقامته المنتصبة بالعلو والرفعة ، وبما يتناسب مع شخص يقود حافلة ركاب بهذا الحجم.

مرت بضع سنوات ورحل سائق الباص وعائلته ، لتحل محله عائلة ابو محمد العسكري ، الذي كان شرطياً بمنتهى الرقة والتهذيب ، بينما زوجته كانت تصر على اني مثل احد ابنائها تماماً ، وبالتالي كانت تخصني ببعض الطبخات والمخللات النادرة. وقد كنت افرح كثيراً حينما تناولني والدتي صحن الطبيخ وهي تقول "روح يمه لعند خالتك ام محمد واعطيها هذا الصحن".

ولانني كنت من اشرس اشقياء الحارة فقد كان يغيظني التزام ابن ام محمد "وهو من جيلي" في البيت والدراسة ، وحصوله الدائم على الدرجة الاولى في الدراسة ، حيث ظلت أمي تعايرني بأدبه ، وتفوقه المدرسي ، والتزامه البيت.

وفي احدى الصباحات فوجئنا بشاحنة تقف امام ذاك البيت لنقل اثاث دار ابو محمد ، وقد كانت هذه كارثة بالنسبة لنا وللجيران ، لكن ابا محمد رحل وبقي البيت فارغاً لمدة بسيطة ليأتي ويقيم فيه رجل اسمه "ابو حسن التحري" ، وقد كنت اتساءل بعقلي الطفولي الصغير عن كيفية ان يكون الرجل تحريأ ويعلن عن اسمه بهذا الوضوح ، فعمل المباحث يفترض ان يكون بسرية ، لكننا جميعاً كنّا نقول دار" ابو حسن" التحري ، وكان الرجل وعائلته يتقبلون ذلك..

عائلات عديدة اقامت في ذاك البيت ، وعلاقات عميقة اقامها والدي ووالدتي مع المقيمين في ذاك البيت على التوالي ، وكان يحزننا كثيراً رحيلهم المباغت.

الآن وحينما اذهب الى بيت العائلة واصعد درج الطابق الاول واطل على ساحة ذاك البيت ، أشعر ان ارواحاً عديدة مازالت تقيم فيه ، وأن طعمه الحجري وطعم ملامسة مصطبته يقودني الى ذاكرة طفولية تشبه الخدر الجميل.

انها كيمياء البيوت.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور