أول أمس كان عيد ميلادي ، وأنا لست ممن يوقدون الشموع ، وينتظرون تلقي الهدايا والمسجات والتهنئات من الاصدقاء والصديقات في عيد ميلادهم. أنا أرتبك كثيراً حينما يقبل اليوم الثامن من كل تشرين الأول ، واصاب بما يُمكن تسميته بالرعاش الكوكبي ، الذي يجعلني أقف امام حياتي بأكملها كطفل في المرحلة الابتدائية يستعد لتلقي العقاب.

وأنا منذ اطلالة فجر امس الاول تتلبسني حالة من البؤس ، حالة جعلتني أشعر ، اني أجدد عقد تواجدي وتفاعلي مع عطاء الحياة الذي رسا عليّ واختار لي هذه المساحة المتصلة من البوح ، والقدرة على مشاهدة الحياة بعين صقرية حافرة ، ومن ثم اعادة تحبيرها بالكتابة.

صباح امس الاول شعرت ان الكوكب باتساعه الخرافي قد تحول الى اناء معدني ، أناء جذبني ومغنط روحي كي أقيم فيه ، وأسمع ضجيج الرنات والايقاعات التي ترتطم بهذا الاناء. كان الطنين يعيدني الى الوشوشة الاولى التي اسقطتها ضجة الكوكب في أذني لحظة الولادة. وتلك الهمّة السرية التي دخلت روحي كي أتهيأ لحياة تليق بي وبروحي الوثابة.

صباح أول أمس وانا اجلس على تلة عمري التي تأخذني مخفوراً نحو نهاية عقدي الخمسيني ، تذكرت تلك الرفعة الغامضة التي بثتها أمي في روحي وهي تقول وحينما تستذكر ولادتها لكل اشقائي وشقيقاتي "كل اولادي انجبتهم بواسطة "الداية" ماعدا خليل الذي ولدته الست نجلاء" ، وكان نطق اسم نجلاء يحضر لي فتاة ثلاثينية عانسا كانت تصر على والدي بشراء "بشاكير" جديدة من أجل عملية الولادة. أمي كانت تطنب في الحديث عن تقزز الست نجلاء ، وتضيف بأن والدي وحينما ولدت ، خرج الى السوق وهو ينثر حبات الحلوى على الناس.

أول أمس تذكرت هذا الاختلاف ، مثلما تذكرت أبواب الرزق التي انفتحت امام والدي بعد ولادتي الى الدرجة التي اعتقد فيها جازماً بأني وجه خير ، ولهذا كان يصر على اصطحابي معه الى كل مكان يذهب اليه ، ويحقق لي كل مطالبي ، بما في ذلك مصروفي اليومي الذي كان يتجاوز عشرة القروش.

أول امس تذكرت كيف وقفت في وسط شارع البارحة وانا لم اتجاوز سبع السنوات ، وكيف قايضت الرجل الذي يقود جمله ، أن يأخذني الى السوق وان يجعلني اعتلي الجمل. وحينما ناخ الجمل وجلست فوق سنامه ، مندهشاً من الحارة والبيوت التي صغرت وهي ترفعني عالياً.

أول امس تذكرت رحلة العمر ، تذكرت افراحي واتراحي وشغبي وشقائي ، وورطتي الأبدية مع الكتابة والأدب.

أول امس مددت قبضة يدي وطرقت على بوابة الحياة ، لا بل دفرت بوابتها بقدمي ، وأخذت نفساً بشرياً عميقا ، وأنا أهمس "مرحى ايتها الحياة ، وكل عام وهذه الروح التواقة لك بخير".


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور