اتركونا قليلاً كي نذهب الى زمن الغباء الجميل: فقد اشتقنا الى سذاجتنا تلك التي كانت تقودنا الى صباحات بريئة تعج بوعد الحياة ، وشغبها الجميل.

اتركونا قليلاً كي نعود الى دار العائلة التي تحولت الى خرابة تضج بأرواح الأهل ، دعونا نرتب فراشنا الطفولي كما اعتدنا أن نرتبه تهيئة الى تلك الاحلام التي كانت تقربنا من رائحة الجنة. دعونا نؤثث تلك الدار بالحضور المزمن للجدة وهي تودعنا الواحد تلو الآخر بالابتهالات الى الله كي يوفقنا ويعيدنا الى حبات مسبحتها سالمين ، أو نعود الى تقبيل يدها التي كانت تمسد فوق رؤوسنا كي تمنحنا تلك البركة النادرة.

دعونا قليلاً كي نعيد للدار بهجتها بحضور تلك الانحناءة الطافحة بالمحبة للأم ، وبتلك الهمة التي كان يدخل فيها الأب وهو يودع نهاره الشقي بضجيج الاسواق ، كي يبدأ بالوضوء ويشرع بالصلاة ، بصوته القرآني الرخيم الذي يجعلك تشعر أن القلب صار يجاور الحضرة الالهية. دعونا من هذه الضجة العصرية المكتظة باليباس ، واطلقونا نحو حوش البيت كي تلاصق الاعمام الضيوف وهم يجلجلون المكان بصوت هرجهم الرجولي بينما رائحة دخان الهيشي تمنح المكان طمأنينة غريبة. دعونا نعيد تأثيث سطح البيت الذي كان مرشحاً كغرفة استقبال اضافية للبيت ، ونمسح عنه هذا التشويه الذي اخذ يرينا اياه وكأنه محطة ارسال فضائية.

اتركونا قليلاً كي نذهب الى زمن الغباء الذي كانت فيه بنت الحي تطل كمشمس ربيعية رائقة ، تاركة في حركة يدها التي تمسد فيها انسدال شعرها ، كي توقعنا في ذاك الحب الذي يجعلها قابلة كي تنطبق عليها ، كل تلك الاغاني باعتبارها الحبيبة المشتهاة. دعونا نسترجع ذاك الحب الغبي الذي اسموه ظلماً "حب من طرف واحد" ذاك الحب الذي كان يقيم دائماً في منطقة المستحيل.

اتركونا قليلاً كي نفلت من هذه المشاعر البلاستيكية تجاه الاصدقاء ، وامنحونا فرصة استرداد تلك العلاقات الحميمية مع الاصدقاء.

اتركونا قليلا كي نعاود استحضاراصدقاء الاسفلت والمشاوير الصيفية ، وضجة تشابك الايدي ، وتلك الرفاقية العالية المستوى وهي تتألق في النقاشات والمناكفات حتى الصبح المشاغب. دعونا قليلاً كي نعاود تقبيل الاصدقاء الذين أخذهم الموت ، هلى نحو مباغت بدعوى ارتفاع الضغط أو الجلطة أو السرطان. وامنحونا الفرصة كي نتدرب من جديد على الاصدقاء الذين سرقتهم اشغال الحياة وحمى تراكم سنوات العمر ، وذعر توقع حسن الختام.

اتركونا قليلاً كي نقوى على ايقاظ حياتنا التي أخذت تهرم تحت وطأة هذا التحضر الوهمي ، ودعونا نهاجم عصراً استطاع بالفعل تحويلنا الى أرقام.

اتركونا قليلاً كي نصرخ في وجه عصر استطاع أن يأخذ منّا كل ذاك الغباء الذي كان يُجمّل حياتنا صبح مساء.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور