حين تشعر بالسعادة على نحو مباغت ، وتنتابك الرغبة في البوح لصديقك ، أو لصديقتك ، عن هذه السعادة الآنية التي تعيشها ، فان الاستجابة من الطرف المخاطب ، الذي تود أن ترسل له القليل من هذه السعادة تراه يشيح بوجهه ، محاولاً أن ينتقل على الفور الى موضوع ثان.

وحين تستحم جيداً وتحلق ذقنك وتتعطر بشكل جيد ، وترتدي أجمل ملابسك ، وتبدو ملامحك طافحة بالصحة والعافية فانك وحين تقابل معارفك ، وحتى اعز أصدقائك ، فانك لن تحلم بكلمة ثناء أو اطراء ، تؤكد نشوتك الأنيقة تلك.

وحينما تحصل على منصب وظيفي جيد أنت تستحقه بجدارة فانك لن تجد من يهنئك على هذا المنصب باستثناء بعض المنافقين الذين يضمرون لك الحسد ، والاستعداد للتربص بك عند أول هفوة.

وحينما تتزوج من امرأة جميلة ، وتتركها تسير معك في الشارع ، وهي قابضة على يدك بحب نادر ، فان المارة على الاغلب سينظرون اليك تلك النظرة المليئة بالحقد والحسد ، على اعتبار أنك لا تستحق هذه المرأة.

لكن دعونا نقلب المشهد قليلاً. فأنت ان ذهبت الى صديقك بملامح شاحبة أعياها القلق والتعب ليلة البارحةـ فانك ستجده يحدثك بعفوية كيدية عن الشحوب الذي يغطي ملامحك ، وان كانت هناك بعض الصفرة تغلف ملامحك ، فهو على الاغلب سيدخلك بحماس وغد ، في ضرورة ان تراجع الطبيب ، وربم يخرج لك كراسة بأسماء أطباء وينصحك بمراجعتهم على الفور.

وبعض الاصدقاء حينما يعلمون انك قد ذهبت ليلة البارحة وتحت وطأة المرض المباغت ، تراهم يكدون بطريقة ليست طبيعية على الاطلاق في تعميم خبر مرضك على كافة اصدقائك ، ليكون لهم شرف التبشير الاول بكارثتك الصحية.

وهؤلاء ذاتهم حينما يعلموا عن حالة وفاة لقريب لك ، فانهم يستنفرون ، وهم يسارعون في نشر الخبر وتعميمه على كل المعارف.

وحينما تنتابك الرغبة كي تقدم لصاحبك وأنت في حالة بوح عفوية بعض الاشتكاءات من الحياة ، فهنا عليك أن تستعد الى ما يشبه لعبة التنس في تبادل الشكوى ، فما ان تنتهي من شكواك حتى يبدأ بتقديم قائمة مُذهلة من الاشتكاءات التي لا تحتمل.

والسؤال كيف يمكن الاستمرار مع كل هؤلاء في علاقة أقل ما يقال عنها انها عادية. والسؤال الذي تصعب الاجابة عنه كيف يمكن أن نحول كل هؤلاء الى أصدقاء.

اننا نعيش ، فعلاً ، في زمن الأعدقاء.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور