نظل نتعامل مع الاجهزة التكنولوجية على اعتبار انها مصممة لخدمتنا بنوع من الأبدية في الخدمة ، فاذا ما تعطلت لسبب فني ، فاننا سرعان ما نقع في ارتباك ، ويرفق ذلك شعور بالحقد اتجاه أي تعطل لهذه الاجهزة.

فأنت حينما تدخل بيتك ليلاً وتمد أصابعك الأُمية باتجاه الزر الكهربائي ولا تستجيب لك الكهرباء بالضوء كعادتها ، فانك تصاب بارتباك عجيب ، وحينما تحاول أن تسترجع مهاراتك الكهربائية فأنت بالكاد تعرف موقع عداد الساعة التي تدفع فواتيره في نهاية كل شهر ، ولكي تتأكد من الكارثة التي أصبت بها فانك تحاول أن تتطلع نحو بيوت الجيران فان رأيتها جميعها مطفأة انشرحت لأن هذا الخلل معمم على الجميع ، لكن اذا وجدت جميع البيوت مضاءة باستثناء بيتك ، فان الغباء التكنولوجي حينها سيكون في أبشع صوره. وتزداد ارتباكاً وأنت تحاول استذكار "الكهربجي" الذي سيعيد لبيتك بهجته الضوئية.

وأنت حينما تدخل المصعد الذاهب نحو الطابق العاشر على سبيل المثال ، وتراه يتوقف على نحو مباغت ، فانك بالتأكيد سوف تقع في تلك اللحظة في مغبة الغباء التكنولوجي ، وعلى الأغلب أنك ستصاب برعب ، وأنت تضغط على الجرس الخاص بحارس البناية كي يتم انقاذك.

والأمر ذاته ينطبق على جهاز الراديو الذي حين كان يشحط بصوته الأجش ، كنت تضطر الى ضربه بيدك محاولا انطاقه من جديد. وينطبق ايضاً على جهاز التسجيل الذي كان يمضغ الشريط الذي بداخله ، فتضطر أن تمد أصابعك المرتجفة محاولاً أن تخرج الشريط. وأنت تلعن الشركة التي قامت بتصنيع هذا الجهاز.

أما حين تتعطل السيارة فحدث ولا حرج عن ذاك الارتباك الذي يصيبك وأنت تحدق في الموتور وتلك الاسلاك المتشابكة بطريقة كافرة ، محاولاً ان تسترجع اي مهارة لك في الميكانيك فلا تجد سوى هذا التحديق الأبله.

والأمر ينطبق على كافة الجهزة التكنولوجية التي تقوم على خدمتنا ، وترافق حياتنا اليومية ، ونظل نتعامل معها بثقة غريبة على أساس انها ستظل تخدمنا دون أي عطل أو تعطيل.

والطريف أن العربي عموماً حين يشتري أي جهاز كهربائي ، فان أول ما يفعله هو تمزيق "الكاتلوج" الخاص بهذا الجهاز ، على اعتبار ان هذا الكاتلوج هو اضافة ورقية لا علاقة لها بالجهاز.

والحال أن تقاعدنا الحضاري المُزمن هو الذي يمنحنا كل هذه الثقة في التعامل مع التكنولوجيا وأجهزتها ، وهو الذي يمنحنا هذا الغضب الصبياني كلما تعطل عندنا اي جهز تكنولوجي.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور